النصيرات:
"هل رأيتم تلك الأم المسكينة التي فرّت مع ابنتها الصبية نحو محل ملابس للاختباء من النيران؟ تفحّمتا سويًا"، "هل رأيتم ذلك الشاب الذي كان ينقذ الجرحى؟ إنه الآن في المستشفى، لقد تعرّض لإصابة خطيرة" هذه مقتطفاتٌ من أحاديث الناس بمنطقة دوار النصيرات وسط قطاع غزة، التي تعرضت قبل يومين لحادث انفجار صهريج غازٍ أدى إلى وفاة 11 مواطنًا ومواطنة حرقًا، وإصابة العشرات بحروقٍ معظمها خطرة.
انفجار الصهريج تسبب أيضًا، باحتراق عشرات المحال التجارية، وفقدان الكثير من العائلات مصادر أرزاقهم، حيث بلغت الخسائر وفقًا لتقديرات حكومية، ثلاثة ملايين دولار، كون الحادث وقع في شارع سوق مخيم النصيرات، وهو شارع حيوي يكتظ بالمحال التجارية، بالإضافة إلى جمعية لذوي الإعاقة، وعيادة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أنروا".
قوة الانفجار امتدت بشكل سريع نحو المحلات المجاورة، ومنها محل للأخشاب بما يحتويه من مواد قابلة للاشتعال كـ "التينر"، ومطعم، ومحل صرافة، ومحلات ملابس، ما جعل النيران تلتهم المكان بسرعة.
كلمات الحسرة والمواساة التي يتبادلها الناس مع أصحاب المحلات تسمعها بمجرد أن تطأ قدماك منطقة الدوار المطلّة على المخيم المكتظ بالسكان، والذي تحوّلت محلاته التي كانت بالكاد تعرض ملابس الربيع، إلى جدران محترقة سوداء، وبقايا بضائع متفحمة اختلطت رائحتها برائحة الرماد.
وبينما يقلّب محمد حمادة ما تبقّى من المقاعد والطاولات في محل البوظة الذي يعمل فيه محاسبًا -وهو لابن عمه- يبدي أسفه على ما حدث هنا للضحايا الذين تفحمت أجسادهم في لحظة.
يقول: "سبعة منهم دخلوا محل الملابس خلفنا فرارًا من النيران التي أكلت كل شيءٍ في طريقها، لكنهم احترقوا".
ورغم أن محل "حمادة" للبوظة يقع بجوار مخبز البنا الذي حدث فيه الانفجار، إذ كان مالكه يحتفظ في جهته الخلفية بصهريج الغاز الذي انفجر مخلفًا هذه الكارثة، إلا أن النيران وألسنة اللهب التي استمرت خمس ساعات، أحرقت بشكل أكبر الشارع الذي يقع خلف المخبز.
يروي حمادة لحظة الانفجار التي لا ينساها فيقول: "كانت الساعة تقترب من الواحدة ظهرًا، حين سمعنا صوت انفجار يشبه القصف الإسرائيلي، فخرجنا مسرعين لاستكشاف الأمر، وعلى الفور حدث انفجار ثانٍ واشتعلت النيران في كل مكان بسرعة خيالية"، مضيفًا: "حالةٌ من الفوضى عمّت عندما بدأ الناس بالتدافع والهرب، والكثير منهم دخلوا محل البوظة، لكنني نبهتهم بضرورة الخروج فورًا حيث النار كانت ستحاصرهم من الخلف، ثم غادرت معهم، فيما كان قدر آخرين أن يتحصنوا بمحلات احترقت عن بكرة أبيها".
تكبّد صاحب المحل خسائر أحصاها بنحو 250 ألف دولار حتى الآن، هي تكلفة مواتير الكهرباء وأجهزة التبريد والتكييف، بالإضافة إلى 150 لوحًا للطاقة الشمسية والبطاريات الخاصة بها، وتكاليف أجهزة الإنذار، وطفايات الحريق التي انطلقت تعمل تلقائيًا مع أول انفجار "لكن دون جدوى مع حريق بهذا الحجم، فاق قدرات حتى الدفاع المدني الفلسطيني، وكان يمكن أن يستمر لأكثر من خمس ساعات لولا مساعدة خلاطات الباطون الجاهز والكسارات" يضيف.
ثلاثون عاملًا، كانوا يعملون في محل "حمادة" للجاتوهات والبوظة، الذي كان يستعد لإطلاق مجمع تجاري خلال 10 أيام، ولكن كما يزيد المحاسب: "حتى بعض الأجهزة لم يتم تسديد ثمنها بعد"، موضحًا أنه ومنذ عمل في هذا المكان عام 2002م، لم يمر عليه مثل هذا الحدث، ولم يتخيل أبدًا أن يراه بأم عينيه وينجو منه أيضًا.
إلى الخلف من محل بوظة حمادة، يقع معمل للحجارة "البلوك"، وكانت أقرب للنيران كون الصهريج يقع في نفس المكان.
ينظر إبراهيم مخيمر إلى بقايا المعدّات التي كانت بمثابة عصب معمله، "المهدمة الآن بشكل كامل"، وبقايا غرف المكاتب المحترقة التي لا تصلح حتى للترميم.
يمتلك مخيمر معمله هذا منذ عام 2005م، ويشغّل عددًا لا بأس به من العمال، لكنه لم يستطع بعد تقدير حجم خسائره كما أكد لـ"نوى"، يعلق على الحدث بقوله: "الخسارة الحقيقية هي خسارة الأرواح، رأينا بأنفسنا أناسًا يهربون من النار ويختبئون داخل المحلات، ثم خرجوا متفحمين، المال معوّض، نسأل الله أن يربط على قلوب أهالي الضحايا".
يروي الرجل ما حدث في ذلك اليوم فيقول: "خرجت من المعمل قاصدًا جاري، من أجل إحضار طن أسمنت، وقبل وصولي سمعت صوت انفجار الخزان الأول، تبعه فورًا صوت الانفجار الثاني".
لا يعلم مخيمر سبب الانفجار حتى الآن، لكن يؤكد أنه اشتكى شفويًا رفضه لوجود صهريج غاز خلف معمله كونه يشكّل خطرًا عليه وعلى عماله، لكنه لم يتقدم أبدًا بشكوى رسمية، كونه لا يريد إغضاب أحدٍ من جيرانه.
وفي تقدير أولي فقد مخيمر (ثلاث ماكينات دق بلوك، وخلاطات بلوك عدد 2، وكاميرات تصوير، ومكاتب وغرف مكتبية وأجهزة مكتبية)، يعقب: "هناك تفتيش مستمر على إجراءات السلامة، لكن لا أدري كيف بقي صهريج بهذه الخطورة في مكان مكتظ بالسكان كل هذا الوقت".
وفي رواية لشاهد عيان، قال الشاب جابر ثابت، الذي كان يتواجد في المكان لحظة الانفجار: "كنت وصديقي سعد حمدان بجوار عيادة الوكالة بالنصيرات، حين سمعنا صوت انفجار وبدأت الحجارة تتساقط علينا، أسرعنا لنرى ما يحدث وكل اعتقادنا أنه قصف، ثم في مكان الانفجار، تحديدًا عند مدخل صيدلية الشفاء، فوجئنا بريحٍ باردة كالثلج، تشبه الإعصار تمامًا ولونها أبيض".
أدرك الشاب أنه تسريب غاز وهنا بدأ بالصراخ "تسريب غاز اهربوا، اهربوا"، ثم بدأ الناس بالتدافع والفرار من الشارع بينما حاول الشبان مساعدة كبار السن، بصعوبة شديدة نتيجة الازدحام، حيث تم إسعاف البعض إلى مقر عيادة الوكالة القريبة.
يؤكد ثابت أن عيادة الوكالة أيضًا وجمعية تأهيل ذوي الإعاقة، باشرتا فورًا بالإخلاء بينما النيران تمتد سريعًا من محل لآخر، "ووصل الدفاع المدني بعد نحو 8 دقائق، وقد واجه صعوبة كبيرة بسبب الازدحام الشديد، بينما استمرت عملية إخماد النيران مدة خمس ساعات بسبب ضعف الإمكانيات رغم ما قدمه المواطنون من مساعدات" يكمل.
وأعلن رئيس المكتب الإعلامي الحكومي، سلامة معروف، اليوم، عن صرف مساعدات مالية عاجلة لأسر الشهداء والجرحى والمتضررين في حريق النصيرات بواقع ٤٠٠٠$ لأسرة كل شهيد، ومبالغ تتراوح بين ٥٠٠ و ٢٠٠٠$ للجرحى المصابين في الحريق، إضافة لمساعدة مالية عاجلة لأصحاب المحال التجارية والبسطات المتضررة خلال أيام.
وأضاف :"هناك قرار حكومي واضح بمحاسبة كل من تسبب في وقوع حادث النصيرات الأليم، تقصيرًا كان أو جشعًا أو سوء تقدير، وحتى يكون الأمر قطعيًا في توجيه المسؤولية، نحن بانتظار نتائج التحقيق النهائية، فكل ساعة هناك جديد يُكشف عن ملابسات اندلاع الحريق".
اليوم أيضًا، نشرت بلدية النصيرات بيانًا أكدت فيه أنها لا تمنح التراخيص للمخابز والمؤسسات التجارية الأخرى، إلا بعد استكمال كافة الوثائق والإجراءات المطلوبة من قبل اللجنة الوطنية المهنية المكونة من (الدفاع المدني، وزارة الصحة، وزارة العمل، وزارة الاقتصاد، والاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين).
وأضافت: "اللجنة المذكورة أعلاه قامت بتاريخ 25/2/2020م بجولة تفتيش ميدانية على كافة المخابز في النصيرات، ومن ضمنها المخبز الذي وقع فيه الحادث، وطلبت من صاحبه تنفيذ إجراءات الأمن والسلامة اللازمة خلال أسبوعين من التاريخ المذكور، وهي ست نقاط من ضمنها: الحصول على موافقة الدفاع المدني بما يتعلق بإجراءات السلامة، وعدم تخزين أي كمية غاز تزيد عن الاحتياج اليومي، وقد تعهد صاحب المخبز بكتاب خطي بتنفيذ ما طُلب منه، إلا أن وقوع الحادث الجلل كان خلال المدة الممنوحة له".
بيان بلدية النصيرات لا يعفيها من المسؤولية، فوجود كميات غاز بهذا الكم، وبطريقة غير آمنة، كانت تستوجب إجراءاتٍ تضمن عدم تعريض أمن الناس للخطر خلال فترة تسوية صاحب المخبز لأوضاعه.
ورغم الإجراءات السريعة التي اتخذتها الأجهزة الرسمية في قطاع غزة، والحكومة الفلسطينية في رام الله، التي حوّلت الإصابات الخطيرة للعلاج بالخارج فورًا، إلا أن هذا لا يغطي أبدًا على التقصير الواضح والصريح، في اتخاذ تدابير السلامة اللازمة لدى أصحاب المنشآت، خاصة تلك الموجودة في مناطق مكتظة بالسكان.
صورة للصهريج الذي انفجر وتسبب في الدمار

محل حمادة للجاتوهات والبوظة:







صور معمل مخيمر للباطون



صور الدمار الذي لحق بالمحلات التجارية







