سلوى ولينا.. تعانقتا وسط النار وعادتا بالكفن
تاريخ النشر : 2020-03-07 19:44

النصيرات:

"لم نرهم ولم نودعهم، كانتا متفحمتين، لكن الناس أخبرونا، أنهما كانتا متعانقتين لحظة احتراقهما"، بهذه الكلمات، بدأت أم حسن حمدان حديثها لـ "نوى" عن زوجة أخيها سلوى، وابنتها لينا اللتان توفيتا حرقًا في فاجعة النصيرات.

وكان انفجار صهريج غاز بأحد المخابز في الشارع الرئيسي لسوق النصيرات المكتظ بالسكان، وسط قطاع غزة، أدى إلى وفاة 11 مواطنًا ومواطنة حرقًا، وإصابة العشرات بحروق معظمها بالغة "تم تحويلها للعلاج بالخارج".

الشارع الذي وقعت فيه الحادثة تتواجد فيه عشرات المحال التجارية، عوضًا عن عيادة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، وجمعيةٍ لتأهيل ذوي وذوات الإعاقة، التي توقفت النيران على بعد أمتارٍ منها فقط.

في بيت عائلة حمدان الواقع في مخيم النصيرات، تحديدًا قرب مكان الانفجار، كانت وفود المعزّين  تتدفق، بينما أفراد العائلة تعتريهم الصدمة.، تقول أم حسن: "فُجعت العائلة بالاثنتين معًا، سلوى هي ابنة عمتنا التي تعيش في الأردن، وهي وحدها هنا، أما لينا الصبية ابنة الـ 17 عامًا، فهي محبوبةٌ من الجميع، نشيطة خلوقة ذكية، كنا ننتظر أن نراها تتم دراستها كما أختها الأكبر منها".

كانت لينا شديدة التعلق بوالدتها المصابة بالسرطان، وبينما كانت مدرستها تستعد لرحلة، حاولت صديقاتها إقناعها بالذهاب معهن، لكنها رفضت، كون موعد الرحلة يتعارض وموعد مراجعة والدتها لعيادة الوكالة، حيث يُفترض أن تأتي بالدواء الخاص بها.

آثرت الصبية الصغيرة أن تكون إلى جوار أمها التي تمشي بصعوبة بسبب وضعها الصحي، لكنها لم تكن تعلم أن هذا هو آخر أيامهن سويًا في هذه الدنيا.

لدى "سلوى" أربعةٌ من الأبناء، ثالثهم لينا التي توفيت معها، الأولى شابة متزوجة، وابن في الجامعة وآخر طفل في الصف الثامن، عليه منذ اليوم أن يجرب البقاء يتيم الأم، فاقدًا لأختٍ كان حنانها يغمره ويغمر البيت كله.

تضيف أم حسن: "في يوم الحادث، خرجت سلوى إلى العيادة، اتصلت فجأة بزوجها وهي تصرخ، وأبلغته أن النيران تشتعل في المكان وأن صهريج غازٍ انفجر، وأنها اختبأت مع لينا في محل ملابس، وصرخت تناديه قبل أن ينقطع الاتصال (النار رح تاكلنا أنا ولينا تعالوا خدونا)".

انقطع الاتصال، وانقطعت معه أنفاس أفراد العائلة الذين هبوا بجنونٍ إلى المكان يبحثون عن أي أمل يخبرهم بأن سلوى ولينا مصابتان فقط، حجم النيران كان يوحي بأن أحدًا لم يستطع النجاة من هذه الكارثة.

تتابع أم حسن التي لم تتوقف دموعها عن الانهمار: "غابت أخبار الأم وابنتها، بينما توزّع أفراد العائلة: هذا يبحث في مكان الحريق، وذاك يبحث في المستشفيات، كان الجميع يأملون أنفسهم بأن تكونا مصابتين، لكن وصلت الأخبار الأكيدة.. البقاء لله".

تعاني العائلة صدمة الفقد المفاجئ لاثنتين من أفرادها، لينا التي كانت تستعد لاستقبال فصل الربيع الذي تحب، وتحضّر دروسها بكل جد لتتمكن من تحصيل العلامات العالية في امتحانات الصف الثاني الثانوي تحضيرًا للتوجيهي، والجامعة من بعده، بينما كانت الأم تتجهز للسفر إلى الضفة الغربية لاستكمال روتين علاجها.

تعلّق أم حسن: "أخبرنا أهل سلوى في الأردن بما حدث لها، هم احتسبوها عند الله شهيدة، لكن لكم أن تتخيلوا عائلة لم تحظ برؤية ابنتها منذ سنوات، وكل أملهم أن يحظوا بذلك يومًا ما، ثم فجأة يصلهم خبر وفاتها بحادثة مفجعة".

غادرت "نوى" بيت سلوى لينا، تاركةً خلفها عشرات المعزين يتوافدون إليه من كل مكان، يحاولون مواساة عائلةٍ لا تزال تفغر فاها متسائلة: "كيف حدث هذا؟"، أيُعقلُ أن تخرج امرأة مشوارًا صغيرًا فتعود على الأكتاف مكفّنة، ويُمنع رفعُ الغطاء عن وجهها لتوديعها.