"مجاورات الأمل" تصدُّ شبح الموت عن ليلِ سكان الحدود
تاريخ النشر : 2019-12-10 15:25

غزة- خاص نوى ميرفت ابو جامع

في كل مرةٍ يخترق الطيران الحربي الإسرائيلي سماء بلدتها عبسان الواقعة قرب السياج الفاصل جنوب قطاع غزة، تقول نهى قديح لأطفالها الذين ترتعش أجسادهم: "لن تحدث الحرب ثقوا بي"، لكنَّها تحدُّث نفسَها –يقينًا- بأن الحرب أقرب إليها وإلى عائلتها من أي شيءٍ آخر"، التجربة مع الاحتلال علّمتها أنه يمكنُ أن يخون توقعاتها في أي وقت.

تعلّق بالقول: "لا أريد أن يتكرر ما حدث في عدوان 2014م، لقد عشنا أيامًا مريرة، ونجونا من الموت بأعجوبة".

عائلة نهى هي واحدةٌ من العائلات المجاورة للموت على حدود قطاع غزة الجنوبية، أولئك الذين يزورهم الخوف كلما سمعوا صوت بابٍ يُغلق بقوّةٍ ظنًّا بأنه قصفٌ جديد.

كيف يقضي سكان تلك المناطق ساعات النهار؟ وماذا يخبّئ لهم الليل؟ كيف يحاولون خلق وقتٍ للفرح وغرس الأمل في قلوب أبنائهم من جديد؟ هذا ما سنعرف إجابته في سياق التقرير التالي:

شبح الذكريات

أم عدنان الأخرى، التي تقيم في منطقة "الزّنة" شرقي مدينة خان يونس جنوب القطاع، فقليلةٌ هي الليالي التي لا تعيش فيها القلق. تؤكد لـ "نوى" أنها ترى في مناماتها كوابيس عودة الحرب في المنطقة التي تعرضت إلى تدميرٍ كامل خلال عدوان عام 2014م، ففقدت منزلها وطفلتها معًا.

تقول: "رغم أننا بنينا ما تهدم، وزرعنا مكان الأشجار التي جرفتها دبابات الاحتلال، إلا أنني لا أزال أعيش رهبة الفقد والخوف، على طفلي تحديدًا، وأعيش منامات مزعجة، يطاردني فيها شبح الحرب كل يوم".

وتحاول وفاء قديح ابنة بلدة خزاعة في المدينة الجنوبية ذاتها، ميسرة انشطة نفسية واجتماعية للأطفال والنساء والشباب في جمعية بيت المستقبل، التأقلم مع الظروف غير الطبيعية التي تعيشها وأسرتها، مستفيدةً من تدريبات التعامل في وقت الطوارئ التي تلقتها خلال فترة عملها.

تقول: "أفشلُ في أحيانٍ كثيرة في تخفيف حدة الخوف لدى أطفالي، خاصة في وقت إطلاق النار المتكرر، وتجريف الأراضي القريبة سيما وأننا قريبون من ما يعرف بشارع جكر" وهو الشارع الشاهد على مسيرات العودة وكسر الحصار والاشتباكات المتواصلة مع جنود الاحتلال المتمركزين قرب السياج جنوبي القطاع.

سكن قديح في منطقةٍ حدودية فرضَ عليها النوم مبكرًا، "فالوضع هنا طارئ وغير مفهوم، يتربص بنا الخوف الدائم من أي تصعيد قد يقتل هدوء أطفالي، وكثيرًا ما ننام ونستيقظ على أصوات إطلاق النار، ويزداد الأمر سوءًا وقت انقطاع التيار الكهربائي عن المنطقة".

قديح التي فقدت عددًا من أقاربها خلال عدوان "إسرائيل" على قطاع غزة عام 2014م، لفتت إلى أن الخوف من فكرة الفقد يحوم بمخيلتها على الدوام، تواصل: "أخشى من عودة الحرب، وأتمنى لأطفالي العيش بأمان مثل باقي أطفال العالم".

أما الدكتور خميس أبو روك، فقد نسي شكل الحياة الطبيعية منذ سنوات حيث يعيش وعائلته على بعد كيلو مترات معدودة عن السياج الفاصل شرقي خزاعة، التي تتعرض إلى الاجتياحات وإطلاق النار باستمرار.

يصف بلدته بالقول: "في الليل تتحول البلدة إلى قطعةٍ سوداء، ظلامٌ دامس وسكون، يُفرض على سكانها النوم مبكرًا، ويحرمون من السهر مع العائلة والأصدقاء، مضيفًا :"يمكن أن يطلق جنود الاحتلال النار على أي شيء يتحرك في المنطقة، فنتعرض للإصابة.. وربما قد نفقد حياتنا".

مجاورات على قيد الأمل

على مقربة من الحدود في خزاعة، يزرع شبانٌ وشابات الأمل، ويبعثون الحياة في نفوسٍ أتعبها الفقد والقلق عبر "مجاورات على قيد الأمل" التي تنفذها مؤسسة بيت المستقبل بالتعاون مع مؤسسة التعاون الدولية، وتتخذ كل واحدةٍ منها عنوانًا يحمل نبض الأمل والحياة والفرح مثلًا :"مجاورة قزدرة وتشميس"، "مجاورة خلاء وتغميس"، "مجاورة فرح وتنفيس".

و"المجاورة" هي مشروعٌ مجتمعي يحاول أن يبني الأمل في نفوس الشباب داخل قطاع غزة الذي يعيش ظروفًا حرجة، سيما في المناطق الحدودية التي تتعرض للعدوان والاستهداف الإسرائيلي الذي يحوّل سكينة المكان إلى أشبه بساحة حرب خلال لحظات. يتجمعون في موعدٍ محدد باكرًا ويختارون أماكن تغلب عليها الطبيعة، فيتشاركون "اللمة" والطعام، وينفّسون عن ما يعتري صدورهم من ضغط في تلك المناطق.

الشابة غيداء قديح ما زال شعور الفقد يغالبها في كل لحظة، تقول: "دائمًا أتخيل أنني سأفقدُ بيتي، أو أحد أفراد عائلتي لا قدّر الله".

عدوان 2014م كان قاسيا عليها –كما معظم سكان خزاعة- فقد فقدت أهلًا وأقرباء كثُر، ذاكرتها تحتفظ بتلك المشاهد حتى هذه اللحظة.

غيداء الحاصلة على درجة البكالوريوس في تخصص المحاسبة، ولم تحظَ حتى إعداد هذا التقرير بأي فرصة عمل، شاركت في واحدة من المجاورات.

تقول: "بصراحة، جاءت مشاركتي في ظروفٍ حرجة، اعتراني اليأس والإحباط وخيبة الأمل، مثل الكثيرين من أبناء قطاع غزة الذين فقدوا الشعور بالأمان أو حتى الثقة بغدٍ أفضل"، مبينةً أنها سعدت بالمشاركة جدًا حيث قضت وقتًا ممتعًا بين الطبيعة بعيدًا عن الأجواء الروتينية المملة.

تتابع: "استمعنا إلى حكاياتٍ تشبهُنا، وأخرى بثت فينا روح الإيجابية والتفاؤل وإمكانية العيش المشترك بعيداً عن تفاصيل الحياة المؤلمة في واقع غزة".

التفكير بإيجابية

بدورها، تقول مديرة مؤسسة بيت المستقبل صباح القرا: "إن مناطق شرق خان يونس، خاصةً الحدودية منها، معرضةٌ باستمرارٍ إلى التهديد الإسرائيلي الذي استنزف طاقة سكانها، عدا عن الفقر والبطالة والتهميش الذي تواجهه"، مشيرةً إلى أن الشباب والشابات وجدوا في مشروع "مجاورات على قيد الأمل" فرصة إلى إعادة التفكير بإيجابية في الحياة، وصنع أوقات من الفرح، وممارسة أنشطة يومية يمكن أن تُعيد لهم الثقة بالنفس والأمان الذي فقدوه، وأن تمنحهم القدرة على التخطيط لمستقبلهم بشكل ممنهج من خلال المشاركة والنقاش الفعال المثمر والاختلاط بأنماط مختلفة من الشخصيات والإنصات إلى التجارب المختلفة.

وتطالب القرا بإيلاء اهتمام أكبر من قبل المؤسسات الدولية بسكان هذه المنطقة، قائلةً: "المنطقة بحاجة إلى برامج تأهيل على المستوى النفسي والاجتماعي باستمرار، خاصة للنساء والأطفال –أكبر المتضررين- من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على المناطق الحدودية، الذين فقدوا تلقائيًا الشعور بالأمان والاستقرار حتى وهم داخل بيوتهم".