إذا عزَمتَ على زيارة معصرة زيتون، فلا تنسَى صديقي القارئ ارتداء حذاءٍ ذو نعلٍ خَشِن، فإنكَ إنْ تزحلَقتَ إثر الزيتِ المسكوب أرضًا لن تجدَ كتِفًا يُسعفك.
داخل معصرة أبو راس التي تأسست عام 1943م في حي التفاح شرق مدينة غزة، الكلُّ منشغل، عند المدخل يشُدُّكَ تكدّس المواطنين القادمين من أنحاء القطاع المتفرقة، كلٌّ منهم يحاول تحصيل دورٍ مبكّرٍ لعصر زيتونه. من خارج البوابة الرئيسية، ألقى جمعة التوم (62 عامًا) تحية الموسم على العاملين داخل المعصرة بصوتٍ عالٍ وبلُكنةٍ مميزة "كل عام وإنتو بخير".
وقَفَ الرجلُ خلف "توكتوك" نقل عليه أكياس الزيتون من أرضه في منطقة "التوام" شمال القطاع إلى المعصرة بشارع يافا، ثم شد كيسًا تلو الآخر نحو الأرض حتى أنهكه التعب، وانتهى دورهُ حين لمحه أحد العمال هناك ويُدعى سليمان عبد العال، فهَمَّ لمساعدته، ومشَى معه نحو حوض استقبال الزيتون بعد الحصول على وصلٍ كُتِبَ عليه اسمه ووزن زيتونه ودوره.
في حوض استقبال الزيتون –الذي ينتهي عنده أي تدخل بشريّ- أفرغ الشاب عبد العال الذي تعمّدَ ارتداء الملابس السوداء كي لا تظهر عليها بقع الزيت، محتويات أكياس التوم، وغمسَ كلتا يديه بحبات الزيتون يوزّعُها على زوايا الحوض المربع الذي يتسع حجمه لأكثر من مئة كيلو.
هنا اشتعل شغف الانتظار في قلب الستيني المتعب، ومن خلفهِ جمهور المترقبين لأدوارهم، وهم يتابعون حبّات الزيتون التي تنتقل عبر "جنزيرٍ متحرك" نحو الحوض الذي يشرِفُ عليه شابٌ بكرشٍ متدلٍ.
يرقبُ التوم زيتوناته وهنّ يتساقطن تباعاً بين فكّي جهاز شفط الأوراق والأتربة تحضيرًا لغسله، يتمتمُ بصوتٍ شبه مسموع بآيات الحفظ مردّدًا "قل أعوذ برب الفلق" أكثر من مرة، يضع أحد المنتظرين يده على كتف الرجل ضاحكًا: "الله يباركلك يا عم".
كل حبة زيتون كانت تدور هناك كأنها وحيدة، لتتدفق بعدها بكمياتٍ متلاحقة باتجاه نهاية "الغسالة"، حيث يتواجد شبكٌ ارتجاجي، يتخبّطُ فتقفزُ فوقه الحبّات، لتزيل ما تبقى من أتربة بعد المرحلة الأولى، ثم تنزلق نحو حوض ثانٍ، أسفله شبكة تُصفي الزيتون من المياه.
هنا، جاء دور الرافعة التي استلمت الزيتون المغسول، ووضعتهُ في "جاروشةٍ" عملت على تكسيره وطحنه، فأخرجته عجينًا، ومررتهُ على أربع "حضّانات" بداخلها خلاطات تلتف بشكل حلزوني، تحركها بهدوء لعدة دقائق، وبينها مساحةٌ مخصصةٌ لتسخين العجينة المطحونة على درجة 28 درجة مئوية دون تعريضها لحرارة مباشرة، حتى لا يفسد الزيت.
عندما تصل العجينة إلى مرحلة السخونة المطلوبة، يبدأ ضخُّ المحتوى بمضخّاتٍ غذائية مع إضافة نسبة ماء بسيطة، فيخرج منها (زيت زيتون غير نقي، وماء زيتون غير نقي قد يحوي زيتًا، وجفت زيتون مطحون).
بدأ الصداعُ يتسلل مسرعًا إلى رأس التوم، فصوتُ الآلات وهدير المحركات ازداد، عندما بدأت مرحلة فلترة الزيت والماء عبر فرازات تدوير 7 آلاف دورة في الدقيقة، أحد العمال لمحَه منهكًا فحاول أن يخفف عنه طول الانتظار فناداه من بعيد :"يلا هانت يا حاج، بس يصير الزيت في دارك بتنسى تعبك كله".
وقبل أن تبدأ الفرازة بِصبِّ أولى قطرات زيت صاحبنا الستيني ابن عائلة التوم، كان العامل عبد العال يمسكُ، ما تبقى من أكياسه ويشرع بإفراغها داخل الحوض، سأله أحمد دردونة (27 عامًا) من جباليا البلد شمال قطاع غزة بصوت مرتفع غلَبَ على هدير المحركات، وعلى يساره 500 كيلو زيتون من النوع السُري والـ k"" حصدهم خلال 3 أيام بمساعدة أهله: "متى دوري.. من زمان قاعد بستنى".. و"من زمان" التي قصَدَها لم تتعدَّ النصف ساعة، فأجابه بابتسامته التي لا تفارق وجهه عادةً: "الصبر يا حبيب، لحظات ويأتي دورك".
فجأة تعطلت ماكينة "الجرش"، وبات لزامًا على دردونة وحتى على سابقه التوم والعشرات غيرهم أن ينتظروا مدة أخرى ريثما يتم إصلاح العطل لتحويل مئات الكيلوات من الزيتون إلى زيت.
هرولَ أحد ورثة المعصرة مسرعًا ويُدعى نعمان أبو راس -وكانَ يجيدُ تصليح الماكينات الموجودة- يردد جملته المعهودة التي يسمعها كل رواد المعصرة في كل موسم زيتون :"آآخ على أيام زمان لما كان العصر على حجر مربوط بجمل.. احنا وين وهالتطور وين".
انتهى نعمان سريعًا من تصليح الآلة التي لا يجب أن تتوقف مطلقًا، فكل ثانية تؤثر على دخله الذي يساوي 400 شيقل عن عصر كل طن.. لحظات وبدأ الغيث يقطر، فانتفض التوم من على كرسيه مقابل "الفرازة"، ووضع كأسًا تحت الصنبور المخصص لتعبئة الزيت بـ"التنك"، ملأه وفتح فمه وسكبه فيه دفعةً واحدة، ثم ضرب على كرشه وهو يستدير نحو أصدقائه الجدد من جموع المنتظرين: "هذا صحة، وما أجمل ريحة الأرض.. هذا الزيت يابا.. وإذا كان في البيت خبز وزيت، وقفت أنا وغنيت"، وصفق بصوت عالٍ لينتبه الجميع لفرحته.
مد التوم يده المبتلة بالزيت إلى جيبه ليخرج هاتفه، اتصل بأحد أبنائه يبلغه أنه سيعود خلال وقتٍ قصير محمّلًا بست جالونات بلاستيكية كبيرة مليئة بالزيت النقي، الذي أخذ أربعة أيامٍ من جهد أبنائه الـأحد عشر في القطاف، طالبًا منه بلهجة أهل الشمال البسيطة أن يجهزوا "القناني" (الزجاجات الفارغة) ليملاً لكل واحد منهم فيها حصته.
بعد استلام التوم حصته، ومن تبعه بعدة ساعات، استلم مجموعة شبان مع جدهم، حصتهم من الزيت 5 "جالونات" كاملات، إلا أن صوتهم أفزع الجميع، عندما شبكوا أيديهم بيد جدهم وقضوا وقتًا في أداء الدبكة الشعبية لتخفيف وطأة الانتظار عليه، مرددين "على دلعونا وعلى دلعونا زيتون بلادي أحسن زيتونا".



