دموعُ نساءٍ تختبِئ خلف جُدرانِ المخيم
تاريخ النشر : 2019-11-27 09:51
النساء في المخيمات

غزة خاص / حنان مطير

غمرَت الظُّلمةُ البيوتَ والشوارعَ الضيّقةَ في مخيمِ جباليا للاجئين الفلسطينيين شمال قطاع غزّة، وبدأ الأطفال يتدفقون نحو بيوتهم بِمَلل.

في غرفةِ الجدّة أم إبراهيم جاد الله، الوحيدةُ المُضاءةُ بضوءِ بطاريةٍ ضعيفٍ في البيت الذي لا تزيد مساحته على 60 مترًا؛ جلسَ الحفيدان زكي وبسمة اللذان يعيشان معها بعيدًا عن أمهما المُطلَّقةُ، ينصتان بشغفٍ إلى قصة الفقيرين "وحيد ووحيدة" تحكيها لهما الجدّةُ التي غطّتْ في نومٍ عميق أكثر من مرةٍ قبل أن يَغْفُوَا.

هي مضطرةٌ لمُجاراتهما، فأمُّهما "لم تحتمل العيش في بيتٍ تنقصه الكثير من الضروريات، وقررت الانفصال بعد تفاقم الخلافات" تقول بأسفِ بالغ.

لا يملُّ الصغيران من الاستماع لقصص الجدة، فما إن تنتهي من واحدةِ حتى يطلبا أخرى، "وهنا أحرصُ على أن أوصل لهما رسائل الأخلاق بين ثناياها، وأهمها القناعة والرضا، والصبر على الفقر لحين الفرج" تزيد.

لطالما خرج زكي إلى مدرسته التابعة لوكالة غوث وتشغيلِ اللاجئين "أنروا"، باكيًا شاكيًا لجدّته والدَه الذي لم يفلح في توفير مصروف المدرسة "شيكل واحد"، فتَعِدُهُ بأنها ستعطيه إياه حين تطلبُها تلك العائلةُ كي تخدم في بيتِها.

إحدى العائلات ذات الوضع الاقتصادي الجيد تتصل بأم إبراهيم بين فترةٍ وأخرى، وتطلب منها الحضور لتنظيف البيت وطهو الطعام بمقابلٍ مادي.

تردفُ بالقول: "تساعدني ابنتي إخلاص، وكانت في البداية تخجل من الخدمة معي في بيوت الأغراب، لكنها اعتادت الأمر، وتجاوزت خجلها لتعينَنِي خاصة وأنني أعاني من الضغط وآلام المفاصل".

حياةٌ مؤجلة

ابنتها إخلاص (23 عامًا) التي تُعاني من "حوَلٍ" في عينيها منذ الصغر، اضطُرّت  لترك المدرسة في المرحلة الإعداداية بعد أن تعرضّت للتنمُّر من قبل الطالبات، تقول: "كل نصائِحِ أمي لم تقنعنِ آنذاك في العدول عن قراري، لقد كنتُ حساسةً في ذلك السن، لكنني اليوم أندم بشدة".

وتضيف: "أحاولُ تعويضَ ما فاتني في تعليم ابن أخي زكي وأخته بسمة التي فُصِلَت من الروضة بعد شهرٍ واحد، ذلك لعدم قدرتنا على الالتزام بسداد الرسوم".

أما إبراهيم، والدُ الطفلين، الذي خطَبَ فتاةً منذ عامٍ ولم يوفِّ مهرَها "الذي يسدِّدهُ من شك الشئون" حتى اليوم، فيعمل ثلاثةَ أيامٍ في الأسبوع بمحلٍ للدجاج، ويحصل في اليوم على 15 شيقلًا فقط، لا تكادُ تكفي لتوفير قوت طفليه ووالدته وأختِه، "فكيف يمكن توفير الغاز وبطاريات الكهرباء والكثير من الاحتياجات الأساسية للعائلة بمبلغٍ بسيطٍ كهذا؟" يتساءل.

لا بديل أمام العائلة عن استخدام "بابور الكاز" القديم الذي يملأ بدخانه البيت، أو إشعال الحطب لطهو الطعام. 

الجِرذان شريكةُ الفِراش

عائلة أم إبراهيم ليست وحدها التي تُكابِد الفقر وسوء الأوضاع الاقتصادية في  المخيم، فهناك "خ.ت" البالغة من العمر 37عامًا، وهيَ أمٌ لسبعةِ أبناء، تعيشُ في بيتٍ بالإيجار، تشاركُها فيه الجرذان والعِرَس مع حلول الظلام، وكانت ذات يومٍ استفردت برضيعتها ابنة العام وقضمت يدها.

 كانت الساعة الواحدة بعد الظهر حين التقتها "نوى"، لتتحدث عن بيتها الفارغ من أي نوع من من الطعام، مؤكدةً أنهم جميعًا لم يتناولوا ما يُقيتُ بطونهم منذ الصباح.

"جوعان يا ماما؟" سألَت طفلها ذي الأعوام التسعة، الذي تغيّب عن المدرسةِ بسبب نوبةِ صرعٍ أصابته بالتشنّج فأنهكت جسدَه، فكانت إجابته سريعةٌ "لا".

أمام إجابته بَكَتْ الأمُّ وربّتت على كتفِه وأقسَمت قائلةً: "واللهِ ما أكل شي من الصبح، بس خجلان يحكي".

في هذا البيت المكتئب بجدرانه المعتمة ورائحته الرطبة، وثلاجته الفارغة وملامح أهله الحزينة، لا كهرباء ولا مياه حلوة، ولا ابتسامة صغير لقطعة حلوى، ولا ملابس شتاء دافئة ولا أغطية، تعيش العائلة بلا أملٍ مع أبٍ مريضٍ بالضغط والسكر لا يعمل، لكنها تحلم حلمًا "يبدو بعيدًا" بحياةٍ آدمية ووجبة طعامٍ يومية عادية.

وفي كل جُمعةٍ تذهب "خ.ت" لإحدى قريباتِها لتنظِّفَ بيتها وِفقَ ما يُطلب منها مقابل "60 شيكل".

تروي معاناتها وعيناها لا تتوقفان عن البكاء فتقول: "في إحدى الليالي لم أنم، حملتُ عصًا، ووقفتُ أحرس غرفة أولادي على ضوء الشمعة"، فالجرذانُ الضخمة تغزو بيتها –كما تؤكد- متسللةً من الفتحات الضيقة في سطح الزينجو، أو من بين شقوق الجدران المتصدّعة بفعل القصف في جولات التصعيد المستمرة.

وتكمل: "كلما تذكرت حديث جدي عن بلدتنا "المجدل" المهجرة عام 1948م، وعن أراضينا الواسعة هناك، أكره المخيم والاحتلال الذي أوصلنا إلى هذا الحال أكثر وأكثر".

وعلى جدار بيتها المتشقق جراء القصف الصهيوني عام 2012م على القطاع،  تركز الأرملة أم محمود أبو سلطان ظهرها، قرب لعبة "ترامبولين" بسيطة، كانت مجموعةٌ من الأطفال يقفزون فوقها فرحين، فتبتسم لهم رغم أمراض جسدها المتعددة.

أم محمود هي المشرفة على "لعبة القفز" تلك، لكنها ليست صاحبتها، هي تأخذ نسبةً قليلةً من المالِكِ من مُجمل ما يدفعُه الأطفال مقابل اللعب، إنه مبلغٌ ضئيل للغاية لكنه يمنعها من مد اليد والسؤال، إلى جانب ما تأخذه من وزارة الشئون الاجتماعية بين فترةٍ أخرى -وفق قولِها-.

في صبيحة كل يوم، وكمعظم نسوة المخيم الضيق على هموم أهله، تخرج أم محمود تلتمسُ هواءً طبيعيًا، فتفترشُ الأرض بمشاركة جاراتها اللاتي يتبادلن أطراف الحديث، ويسندن ظهورهن إلى جدران بيوتهنَّ المتهالكة، تلك نفسها التي تواري دموع القهر التي يذرفنها كل يومٍ على عمر التهجير الذي لم ينتهِ منذ أكثر من سبعين عامًا.