يكاد قلبها يخرج من بين أضلعها، ليحط على السرير المسجى عليه جسد أميرها الذي ما برحت تنادي باسمه، لحظات مرت كأنها الدهر بأكمله، وهي تجري تتسابق اعضاء جسدها للوصول إليه.
عيناها ترفض أن تصدق أن هذا طفلها الذي حرمت منه منذ أسبوع بعد انتقاله لحضانة والده، " شو عمل؟ ابني طفل بريء، ليش يستهدفوه" كلمات تهذي بها الأم المكلومة .
لن تغفو أرزاق المصري هانئة بعد اليوم، وستكون لياليها القادمة موجعة، خالية من الأمل بعودة أميرها الذي نام نومته الأخيرة، بعد أن قتله صاروخ اسرائيلي استهدفه ووالده وشقيقه بعد خروجهم من المنزل.
تتساءل عن الذنب الذي ارتكبه طفلها الصغير، عن الخطر الذي شكله على أمن اسرائيل؟ تحتضنه مرات ومرات، لكنها لا تكتفي فهو الحضن الأخير.
وكان الطفل أمير رأفت عياد ارتقى مع والده وأخيه إسلام في استهداف إسرائيلي لدراجة نارية في حي الشجاعية شرق غزة صباح الأربعاء 13/11/2019
وفي الصورة المقابلة، والدة إسلام تهرع لخارج منزلها، فور سماعها صوت القصف، فإحساس الأم لا يكذب، شعرت أن الضربة اقتلعت قلبها، جثت على ركبتيها، تناديه، تستعيد شريط حياته، كان في السنة النهائية بكلية الهندسة، تنتظر تخرجه، تتساءل وسيل من الدموع يغطي وجهها عن الجرم الذي ارتكبه ابنها الطالب الجامعي، أي خطر شكله وأخيه الطفل ووالدهما ليستهدفوا بهذه البشاعة؟

أما ليان أبو العطا تلك الطفلة التي ربما ستكره يوم ميلادها ما حيت، ففيه فقدت أغلى ما يملك الطفل، الأب والأم في آن، تقول في رد على سؤال أحد الصحفيين" كنت نايمة، صحيت عالقصف، وناديت ع بابا وماما ما ردو علي، ناديت ع أختي وبعدها أخذونا المستشفى وما عرفت انه أبوي وأمي استشهدوا إلا بعد ما رجعنا ع بيت ستي".
وتتابع "كنا بنحوش أنا وعمتي لنعمله عيد ميلاد، كان باقي لعيد ميلاده أيام قليلة ، كان بـ 25/11، بس راح" لتعود وتدخل في موجة من البكاء الرافض لاستقبال تلك الحقيقة الموجعة وتتساءل في موقف آخر" شو عملنا علشان يقصفونا ويقتلوا أمي وأبوي!" سؤال ربما يدور في خلد كل طفل فقد في هذه الأيام الثلاثة أمه أو أبيه أو كليهما.

وفي مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة ودعت الرضيعة ليان شراب والدها وهي التي لم تدرك بعد أنها فقدت الأب حتى آخر العمر، فهي لم تتم عامها الأول بعد، تبكي في صورة جمعتها مع جسد والدها المسجى على الأرض في انتظار توديعه من قبل الأحبة، كتب عليكِ الاحتلال يا صغيرة أن تعيشي اليتم مبكراً، وحرمك من كلمة بابا التي لم تحسني نطقها بعد.

الطفل يوسف أبو ملحوس-السواركة وقف وحيداً مودعاً والدته واشقائه، تائهة نظراته، لسان حاله يقول هنا كنا نعيش، هنا كانت تجمعنا غرفة طالما شهدت على ضحكاتنا التي تصل السماء رغم ضيق الحال، لكن بمجرد إطلاق طائرات الاحتلال أربعة صواريخ تجاه منزله الذي كان، فقد كل شيئ وأولها الطفولة، فمن له بعد كل هذا الفقد والوجع؟.
ونفذت إسرائيل على مدار ثلاث أيام من تاريخ 12 نوفمبر 2019 سلسلة هجمات مستهدفة منازل مواطنين مدنيين في مناطق مختلفة بقطاع غزة، مخلفة 34 شهيد بينهم ثمانية أطفال وثلاث نساء، و109 جريح بينهم 51 طفل و11 امرأة.
