يقطع محمود مسافة- 2 كيلو مترا - مشياً على الأقدام في طريق ذهابه إلى المدرسة يومياً، والمسافة نفسها في طريق العودة، يضطر أن يستيقظ مبكراً. يخرج قبل أن تنثر الشمس أشعتها، من مكان سكناه في منطقة السطر الغربي بمحافظة خانيونس جنوب قطاع غزة، باتجاه مدرسته في منطقة حي الأمل، يتابع سيره ورفاقه في خطوات متسارعة في محاولة للوصول للمدرسة قبل (أن يدق جرس الطابور).
لكن سوء حظه يجعله يصل متأخرا مما يعرضه للعقاب البدني من قبل ناظر المدرسة الذي يهدد ويتوعد منذ بداية العام الدراسي المتأخرين عن الدوام المدرسي.
قبل أيام اعتدى طالب على مدرسه بسبب محاولة الأخير تطبيق العقاب البدني على الطالب الذي رفض الانصياع وطلب منه احضار ولي أمره، ووفقاً لرواية أحد المدرسين فإن الطالب لم يلتزم بالزي المدرسي كما وصل المدرسة متأخراً ما استوجب عقابه كما هو معتاد، إلا أن الطالب رفض الانصياع للعقاب.
وتداول نشطاء صحفيون بعد أيام من انطلاق العام الدراسي صور لطلاب منعوا من دخول المدرسة بسبب تأخرهم عن الدوام المدرسي الذي يبدأ يوميا في تمام الساعة السادسة وخمسة وأربعون دقيقة.
يقول محمود ورفاقه: "منذ بداية العام ونحن نتلقى العقاب البدني بسبب تأخرنا في الوصول إلى المدرسة"، ويتساءل: "ماذا أفعل؟ أنا أسكن في منطقة بعيدة جداً عن المدارس، واستغرق تقريبا نصف ساعة في طريق الذهاب ومثلها في الإياب، وأهلي لا يملكون المقدرة على دفع مواصلات لي ولأشقائي الخمسة.
ويدفع سكان المناطق البعيدة عن المدارس ما يقارب خمسون شيكل شهرياً لكل طالب لاستئجار تاكسي، (سعة أربعة ركاب) يُقِل في أحسن الأحوال 12 طفلا بالإضافة إلى حقائبهم، دون أي مراعاة لما يمكن أن يحمل هذا التكدس من مخاطر.
"أضطر لأن أقبل أن يجلس طفلي في سيارة تحمل ما يزيد عن عشرة طلاب آخرين مقابل خمسون شيكل شهرياً، ويضطر طفلي أن يخرج للشارع العام ويسير ما يقارب كيلو مشياً على الأقدام لينتظر قدوم التاكسي الذي يتكدس فيه الأطفال فوق بعضهم البعض" تقول أم محمود اللحام والتي تسكن في منطقة السطر الغربي.
وتوضح السيدة اللحام: "ابني كره المدرسة بسبب العقاب البدني اليومي الذي كان يتعرض له بسبب تأخره عن الدوام، اضطرت لأن استأجر له مكاناً في تاكسي ليتمكن من الوصول مبكراً للمدرسة".
وتتابع "يخرج أبني في السادسة والربع ولا يكون النهار قد شق نوره، وأضطر إلى إيصاله إلى بداية الطريق نظراً لانتشار الكلاب الضالة في الصباح الباكر".
رحلة عذاب يمضيها الطلاب الذين يقطنون في أطراف المدينة، وفي الشوارع الفرعية البعيدة غير المعبدة، يرهقهم طول الطريق، ويتعثرون بالتواءاتها، ثم يعاقبون فور وصولهم المدرسة بسبب التأخير.
يعلق الاستاذ أنور أحمد مدير دائرة الإرشاد التربوي في وزارة التربية والتعليم: "العقاب البدني مرفوض وممنوع ضمن القانون، ولا نقبل إطلاقاً أن يتم التعامل مع الطلبة بهذه الطريقة".
وتابع أحمد "ما يحدث أن الطلاب حينما يعنفون لا يتوجهون بالشكوى هم أو عائلاتهم للوزارة وبالتالي لا تصل للوزارة معلومات بأن مدرسين ومدراء مدارس يمارسون العنف بحق الطلبة، وبالتالي كيف ستعرف الوزارة أن هناك عنف يمارس في المدارس؟".
وقال "هناك إجراءات قانونية تتخذ بحق كل من يخالف القانون الذي يمنع وبشكل لا يقبل النقاش العقاب البدني للطلاب أياً كان السبب".
يشرح مدير دائرة الإرشاد:" يفترض أن يتم متابعة المسائلة المتعلقة بالتأخر عن دوام على سبيل المثال من قبل المرشد التربوي ف المدرسة، كما أن عليه أن يعيد تذكير مدير المدرسة بأن العقاب البدني غير مقبول".
"لكن المرشد التربوي لا يملك أي سلطة داخل المدرسة" يوضح أحمد، لافتاً أن مهمة المرشد أن يعمل على الحد من هذه التجاوزات والتعامل مع مخالفات الطلاب بعمل دراسة حالة، أو لقاء فردي في محاولة لعلاج الإشكالية من جذورها.
ويؤكد أحمد "العقاب البدني لا يعتبر ضمن الأدوات التربوية السليمة ولا يمكن اعتباره بديل مقبول، لكن الإشكالية كما يراها أحمد تتمثل في أن بعض أولياء الأمور وتبعاً للثقافة المجتمعية يعتقدون بأن "العقاب البدني" هو البديل الأمثل في التعامل مع الطلاب وكثيراً ما نسمع منهم جملة " اكسر وأحنا بنجبر".
ويترك العقاب البدني للطلاب خاصة في حالات التأخر عن الدوام آثاراً نفسية سيئة قد تؤثر على انتظامهم الدراسي ويمكن أن تشجعهم على التسرب من المدارس، وفق ما يؤكد "أحمد" وهو أمر لا تحمد عقباه.
