هكذا ادخل الشاب "مؤمن نزال" إلى معتقل الأمن الوقائي
تاريخ النشر : 2019-09-07 07:55
مؤمن نزال ووالدته شريفة نزال

قلقيلية:

"ابني تعرّض للتعذيب والتحرش"، بهذه الكلمات أكدت السيدة شريفة نزال، والدة المعتقل في سجون الأمن الوقائي بمدينة قلقيلية في الضفة الغربية مؤمن نزال "18 عامًا"، لدى حديثها عما يعانيه نجلها والذي دفعه للإضراب عن الطعام منذ أسبوعين احتجاجًا على اعتقاله غير القانوني وعلى التعذيب.

على الخط الآخر من الهاتف، يصل صوت السيدة نزال ضعيفًا خافتًا وكأنه يخرج من بئر، هي أيضًا مضربة عن الطعام بعد نجلها بيوم واحد، كيف لا وهي التي تدخل غرفة نومه تشم رائحة ملابسه باكية، تتحسس كتبه الجامعية التي تركها هنا على رف مكتبه، سريره الذي تركه لينام هناك على أرض لا تدري إن كانت تكويه حرارتها أم تؤلم عظامه.

بينما تنشغل العائلة في ترتيب المنزل تم الإفراج عن الأب ليُفاجأ الجميع أن مؤمن مختطفًا لدى الوقائي

القصة من البداية كما ترويها أم محمد تعود إلى تاريخ 24 فبراير 2019، عندما اقتحمت مجموعة من "وقائي" قلقيلية منزلهم بعد عصر ذلك اليوم شديد البرودة، وفتّشوا كل زاوية في المنزل وعاثوا فيه تخريبًا، ليأخذوا بصحبتهم أبو محمد والد مؤمن، وبينما تنشغل العائلة في ترتيب المنزل تم الإفراج عن الأب ليُفاجأ الجميع أن مؤمن مختطفًا لدى الوقائي؛ إذ لم تنتبه العائلة أنه تم اصطحابه لحظة خروجهم.

ما حدث كان صاعقة بالنسبة للسيدة التي تُجرّب للمرة الأولى نوم واسطة عِقد أبنائها الثلاثة في مكان موحش، نعم؛ إنه سجن الأمن الوقائي، قلب الأم حتمًا سيرسم العديد من المشاهد المؤذية.

لعدة أيام لم تتمكن العائلة من التواصل مع مؤمن، وبعد إضرابه لثلاثة أيام في البداية، التقوه فأخبرهم أنه تعرّض للضرب والتعذيب بهمة حيازة سلاح دون ترخيص، وتمت الموافقة على إخلاء سبيله مقابل غرامة 200 دينارًا أردنيًا، وقد توجه خاله إلى السجن من أجل مرافقته للمنزل.

فرحة عارمة شعر بها مؤمن كما تؤكد والدته، صوته الرنان عبر الهاتف وضحكته العالية، هو على موعد مع الحرية إذن، خاله في الطريق إليه، ساعات ويكون في حضن والدته، يعود إلى جامعته ومحاضراته وزملاء الدراسة، ساعات ليقّبل جبين أبيه وأمه وأخته وأخيه محمد، حتى فوجئ خاله بتوجيه أربع تهم إضافية كسرت قلبه وقلب أمه.

يدرس مؤمن في الفصل الدراسي الأول بقسم الهندسة الكهربائية بجامعة خضوري، هو طالب متفوّق منذ الصغر، مهتمٌّ جدًا بدراسته، خطواته محدودة بين البيت والمسجد والجامعة، هادئ الطباع وملتزم، ما حدث شكّل صدمة لوالدته التي ما عرفت عن ولدها على مدار 18 عامًا سوى أنه "في حاله".

رفض مؤمن والعائلة التهم المنسوبة إليه، وطالبوا بإطلاق سراحه، تقول والدته إنه تعرّض للتعذيب بالضرب والكهرباء

التهم الموجّهة لمؤمن هي إثارة النعرات الطائفية، تشكيل كتائب مسلحة، تصنيع مواد متفجرة، وتضحك والدته بمرارة بينما تحكي عن التهمة الرابعة وهي تقول "هل تصدقوا؛ ابني متهم بالمشاركة في تشكيل القوة التنفيذية، أي حين كان عمره 4 سنوات!".

رفض مؤمن والعائلة التهم المنسوبة إليه، وطالبوا بإطلاق سراحه، تقول والدته إنه تعرّض للتعذيب بالضرب والكهرباء، واتهمت أحد ضباط الأمن الوقائي بالتحرش به جنسيًا، لتؤكد إنها لن تصمت عن حقه، مشيرة إلى أن عائلته لا تراه العائلة أو تتصل به إلا نادرا، ولا تظهر عليه علامات الضرب عند التقائهم به، "فهم يعطوه ابرة كورتيزون تخفي آثار التورّم" كما تروي والدته.

وتضيف: “ما جرى لابني دفعه للإضراب عن الطعام، ومن ثم عن الماء، حالته الصحية سيئة جدًا الآن وبدأ يشعر بآلام في المعدة والكلى، ولديه جفاف، جدته لوالده مريضة جدًا وهي أقرب للاحتضار".

وتشير الأم إلى أنه خلال الفترة الماضية، اعتقل جهاز الأمن الوقائي شقيقه الأكبر محمد بهدف الضغط عليه لدفعه للاعتراف بالتهم التي ينفيها، محمد كان حاصلًا على منحة دراسية في فرنسا لدراسة الكيمياء الحيوية، مرّ وقت طويل فقد محمد خلاله المنحة، أما شقيقته الصغرى والتي تدرس الثانوية العامة هذا العام، فهي أيضًا تعاني حالة نفسية سيئة، يشغلها حال شقيها طوال الوقت، ومع أنها في بداية العام لكنها لا تقوى أبدًا على الدراسة والتركيز.

فريق محامون من أجل العدالة، كان قد نشر على صفحته على الفيس بوك بيانًا مقتضبًا عند إضراب مؤمن عن الطعام قال فيه إن مؤمن بدأ إضرابه في 24 أغسطس 2019، وأن فريق محامون من أجل العدالة تمكن من زيارته يوم الاثنين وأكد خلال الزيارة استمراره بإضرابه المفتوح عن الطعام حتى نيل حريته.

الفريق أكد في بيانه إن المكان الطبيعي للطالب الجامعي هو مقاعد الدراسة وبين زملائه يناقشون دروسهم في باحات الجامعة، لكن مؤمن نزال الأن أصبح المكان الوحيد الذي يعرفه هو الجدران المرتفعة في سجن الأمن الوقائي في بيتونيا منذ تاريخ 25-2-2019 وأضحى لا يناقش إلا شوقه للحرية مع غيره من الموقوفين، وهو الأن لا يعرف الكافتيريا أبداً بل يحاول تصبير أمعاءه المضربة عن الطعام على الجوع.

وذكّر الفريق في بيانه أنه استصدر أمرًا بالإفراج عنه بتاريخ 16-7-2019 من محكمة بداية رام الله لقاء تقديم كفالة نقدية قيمتها 200 دينارًا أردنيًا قدمها أهله، إلا أن الجهاز لم يفرج عنه ووجه إليه في اليوم التالي تهما جديدة.

أما والدة مؤمن فهي تكرّس صفحتها على الفيس بوك ونشاطها اليومي من أجل حشد الدعم الحقوقي والشعبي لقضية ابنها، فهي تريد أن تراه في بيته وأمام مكتبه، وبين زملائه في الجامعة، لا بين جدران سجن صمّاء.