" لماذا يحرم الصم من الاستمتاع بالأغنيات التي يتم بثها عبر القنوات التلفزيونية، وكيف يظلم المجتمع هذه الفئة من حقها الطبيعي" تساؤلات مشروعة طرحها إبراهيم رباح على والدته بعد أن اكتشف أن زملائه في المدرسة لا يستطيعون فهم الأغنيات التي يستمع إليها ويسألونه عن معناها.
يتميز إبراهيم عن سواه من ذوي الإعاقة السمعية بقدرته على السمع بنسبة 15% في إحدى أذنيه، و25% في الأذن الأخرى، ما مكنه من الاستماع الى الأغنيات ومتابعة الأفلام، وفوجئ عندما أخبرته والدته بأن الصم لا يمتلكون هذه الميزة.
" قال لي هذا ظلم ولماذا يحرم الصم من الاستمتاع بفهم تلك الأغنيات ولماذا يصادر حقهم هذا، حاولت أن أشرح له أن الأمر بحاجة لموازنات ضخمة لا تستطيع المؤسسة الرسمية أن تتكفل بها" " تقول د. فاطمة رباح والدة إبراهيم.
وتتابع لـ "نوى" :" سألته هل بامكانك أن تغني لهم بلغة الإشارة، لم يستغرق وقت في التفكير بالإجابة بل على الفور بدأ في تطبيق الفكرة، والتدرب على أغنية "صافيني مرة" وبالفعل قام بإداء الأغنية أمامي ومجموعة من الصديقات اللواتي ذهلن من روعة الأداء، وأصرت صديقتي المقربة هدى الخطيب على تسجيل الأغنية بنفسها، في أحد الأوتيلات في وقت كان يضج بالزبائن، وكادت أن تشتبك مع الحضور الذين لم يراعوا كونه يسجل أغنيته، وحاربت من أجل توفير هدوء يمنحه الفرصة الأولى وقد كان.
حققت الأغنية نجاحاً باهراً ولفتت انظارنا نحن الناطقين إلى سهولة حفظنا لمعاني الكلمات بلغة الإشارة الأمر الذي سهل علينا التعامل مع أي شخص من ذوي الإعاقة السمعية.
موهبة إبراهيم وعشقه للغناء لاحظتها والدته منذ طفولته "كان تواقاً لسماع الأغاني العربية على اختلافها، رغم ضعف سمعه، الأمر الذي كانت ضريبته بالغة بالنسبة لي، بسبب رفعه صوت التلفزيون والمسجل إلى حد صارخ، جعلني مضطرة في كل الأوقات إلى إغلاق كافة منافذ البيت محافظة على حق الجيران بالهدوء وفي نفس الوقت عدم مصادرة حقه بالاستمتاع بسماع ما يحب من أغنيات"
تطور الأمر مع إبراهيم وأصبح يشعر بأنه مسؤول عن الغناء بلغة الإشارة لذوي الإعاقة السمعية، كونه قريب منهم، ومن جهة أخرى نشر لغة الإشارة بين الناطقين من أجل تسهيل عملية التواصل بين ذوي الإعاقة السمعية والناطقين، فأصبح يتدرب باستمرار على تأدية الأغنيات بلهجات مختلفة، خاصة بعد نجاحه في الأغنية الأولى" صافيني مرة"
والدة أبراهيم جمهوره الأول، يتدرب وحده على الاغنية التي يقرر تأديتها، ويطلب منها مشاهدته وتقييم أدائه، ومن ثم نقوم بتسجيل الأغنية وبثها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، محققة إعجاب كبير لهذه اللفتة الإنسانية لفئة لها كل الحقوق وأبسطها غير متوفرة لها، وترى رباح ان القوانين لا زالت عاجزة ان تعطي الحقوق لذوي الإعاقة الذين لا زالوا يقعون تحت عجزها وظلم المجتمع
يحلم إبراهيم بأن تصبح ترجمة الأغنيات بلغة الإشارة وتأديتها أمر واقع في القنوات التلفزيونية لضمان حق فئة ذوي الإعاقة بالاستمتاع، معتبراً أنه لا يكفي ترجمة نشرات الأخبار، وتؤمن والدة إبراهيم بحلمه مؤكدة أنها ستبقى تناضل معه وستواصل المسير حتى تصل رسالة إبراهيم ويحقق الحلم الذي يسعى له.
اختلفت شخصية أبراهيم كما تروي والدته بعد أن بدأ بالغناء بلغة الإشارة، أصبح أكثر ثقة بنفسه، وشخصيته أكثر قوة، وارتفعت بداخله التوقعات بأنه سوف ينجح في تحقيق ذاته.
من أكثر الأسئلة صعوبة مرت على والدة إبراهيم كما تقول لـ "نوى" حينما كنا نسير سوياً وكان لا زال طفلاً في السابعة تجمع الصبية حوله نظراً لبطئه في الحركة، سألني حينها، هل أنا أختلف، للحظة لم اعرف ماذا أقول لكنني استدركت الموقف واجبته" بالطبع أنت مختلف فأنت تسير إلى جانب والدتك وهم يسيرون وحدهم، أنت أكثر تميزاً".
مع مرور الوقت عرف إبراهيم حالته وأيقن أنه يختلف عن الآخرين ولكنه تقبل ذلك برضى واقتناع بأن هذا قدر يجب التعاطي معه.
نجح إبراهيم في تغيير مفاهيم البعض تجاه ذوي الإعاقة، وتمكن من نشر لغة الإشارة من خلال الاغنية ولا زال يحلم بالمزيد، في وقت لا زال ذوي الإعاقة من كافة الفئات يناضلون من أجل نيل حقوقهم الطبيعية التي كفلها القانون.
