البؤس يفتح الباب للنسيان ويأكل أدمغة الغزيين
تاريخ النشر : 2019-06-25 09:03
صورة تعبيرية

 غزة:

تتكدس تفاصيل الحياة المختلطة في عقول المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة، ويكبلهم التفكير في ظروف حياتهم الصعبة، يحاولون عيش الحياة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، لكن تلك الحياة نهشت من أعمارهم وذاكرتهم كثيراً.

كثيرون في قطاع غزة الذي تحاصره سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ 13 عاماً يشتكون النسيان وقلة التركيز، يحاولون استدعاء معلومةٍ ما، لكن دون جدوى، لم يستطع الدماغ إسعافهم بذلك، فهل للواقع الذي يعيشونه تأثير مباشر بهذا الأمر!!.

دوامة النسيان

تشتكي الأربعينية سمية إدريس " أم محمد" دخولها في دوامة النسيان منذ عامين، حيث بدأ الأمر بشعورها بخمولٍ في جسدها والرغبة في النوم طوال الوقت، وعدم قدرتها على إنجاز مهامها البيتية ونسيانها لكثير من الأمور اللازمة في حياتها.

وتقول لـ "نوي": أصبح شعور الضيق يجتاحني كثيراً، وأنا التي كنتُ أتمتع بعقلٍ يحفظُ بسرعة، لكني بدأتُ أنسى بشكل كبير، وأصبحت أتلقى الكثير من الاتصالات، لكنْ بعد دقائق من انتهاء المكالمة أنسى كل شيء".

وتوضح إدريس أنها في ظل ازدياد المشكلة ذهبت للطبيب، وتبين أن لديها نقص حاد في فيتامين د، تعالجت لمدة ستة شهور، تحسنتْ قليلاً لكنها لم تتعافى بشكل كامل.

ولتفادي الإحراجات التي قد تقع فيها، تحاول إدريس وضع ورقة عند الهاتف لتسجيل أي شيء، وكذلك لحفظ المناسبات الاجتماعية، وحين ذهابها للسوق، وتحاول علاج ذاتها من خلال تناول العسل وبعض الأعشاب الطبيعة كالزعتر، وإكليل الجبل.

وتلفتُ أنّ ما حدث لها، لربما بسبب كثرة الأعمال المنزلية، ومتابعة الأبناء وتربيتهم، وأداء المناسبات، والضغوط الحياتية التي تعيشها كمثل الكثير من النساء في قطاع غزة.

ويعاني المواطنون الفلسطينيون في قطاع غزة الواقع جنوب فلسطين المحتلة، من ظروف حياتية صعبة نتيجة الحصار المتواصل، ما فاقم الفقر حتى وصلت إلى 62% وجفع الناس للاعتماد بشكل أساسي على ما تقدمه المؤسسات الإنسانية من مساعدات قد لا تتوفر جعلهم يعانون ضغوطاً مستمرة أثّرت على حياتهم.

الدكتورة الصيدلانية إيمان عوض تقابل العديد من الأشخاص الذين يأتون إليها طالبين حلاً لمشكلة النسيان وقلة التركيز، وخاصة الطلاب، فيتم إعطاءهم بعض الأدوية كــ "Ginkgo biloba"، و" ديناميزان"، و"pharmaton".

ومن الفئات التي تتردد بكثرة على الصيدلية، النساء حديثات الإنجاب اللواتي يعانين من النسيان ووجع في العظام فيتم إعطاؤهن كالسيوم وفيتامينات.

الحالة الانفعالية

الأخصائي النفسي د. درداح الشاعر يوضح أن ذاكرة الإنسان تُعبر عن قدرته على الاحتفاظ بالمادة المتعلمة، واستعادتها حين الحاجة إليها، وأن الحالة الانفعالية التي يعيشها أهالي قطاع غزة تؤثر بشكل مباشر عليهم، فالحالة الانفعالية الحادة والمحزنة تؤثر سلباً على أداء الذاكرة، وتقلل من القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات اللازمة في الحياة.

حصارٌ خانق، ووضع اقتصادي واجتماعي صعب، بطالة مستشريه، وحروب مستمرة، جميعها عوامل تساهم في تفشي النسيان بذاكرة الغزيين، كما يرى د. الشاعر.

ويبين أن جميع الفئات في قطاع غزة، عرضة لمشكلة لنسيان، نظراً لوجود حالة من التوتر النفسي والاقتصادي التي تكبل العائلات الغزية، فالطالب لن يستطيع الاحتفاظ بالمادة التعليمية في دماغه، والشباب مثقلون بالهموم وأعباء الحياة، والأمهات يعانين من ضغوط حياتية كثيرة.

ويعرف بأن أفضل ما تكون عليه الذاكرة في سن 12 لــ 15 عاماً، إلا أن هذه الفئة في قطاع غزة تعاني من عجزٍ في الذاكرة، للظروف المعيشية السيئة التي لا تعينهم على تخزين المعلومة بشكل منظم وإيجابي.

إن عمليات الترفيه والدعم النفسي والاجتماعي، والتفريغ الانفعالي، ومحاولة تحسين الحالة النفسية والاجتماعية والاقتصادية، حلولٌ تساهم في علاج هذه الظاهرة، والتي يجب عدم إهمالها أو التغافل عنها، منعاً لتطورها.

نصائح لإنعاش الذاكرة

بدورها، تذكر الباحثة في بيولوجيا السرطان الجزيئية والأمراض الاستقلابية د. علياء كيوان العوامل التي تسبب في زيادة المشاكل بالذاكرة لدى الغزيين منها؛ قلة النوم، ومشاكل الغدة الدرقية، والضغط النفسي والقلق الدائم، بالإضافة للاكتئاب.

وتشرح لــ "نوى" أن سوء التغذية التي تتسبب في الفيتامينات المهمة لعمل الدماغ، وكذلك نقص معادن مهمة في الجسم كالحديد أو الإفراط في تناول الدهون والكربوهيدرات، تساهم في زيادة مشكلة النسيان.

ولمعرفة إن كان النسيان يسير في حدوده الطبيعية توضح د. كيوان أن النسيان الذي ينشأ من عدة عوامل هي بإرادة الشخص، كأن يكون تركيزه في شيء آخر، فهذا طبيعي، لكن التكرار الدائم للنسيان والذي يعطل أمور حياتية مهمة، فهذا يستلزم علاجاً.

ويُنصح الأشخاص الذين يعانون من النسيان بممارسة الرياضة كونها تزيد من تدفق الدم والأوكسجين الى الدماغ وبالتالي يحسّن من نشاط الخلايا العصبية، وتنشيط الدماغ من خلال تمارين خاصة أو من خلال القراءة أو عمل نشاطات إضافية تحتاج إلى قوة تركيز كألعاب الحساب والكلمات المتقاطعة والمحافظة عليها بشكل يومي.

ويكون الأشخاص غير المنظمين في حياتهم سواءً في البيت أو العمل، عرضة لنسيان أماكن أغراضهم، لذلك عليهم بالترتيب، والأشخاص الذين ينسون المواعيد من الأفضل استخدام الأجندات الورقية أو الإلكترونية للتذكير.

وتلعب التغذية الصحية دوراً في إنعاش الذاكرة، من خلال الالتزام بمواعيد الطعام وشرب كميات وافرة من الماء، وتنظيم النوم بأخذ قسط وافر من ٦-٨ ساعات.

ووفقاً لدراسة أجراها فريق بحثي نرويجي من الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا ونشرت نتائجها في مجلة BMC Psychology، أظهرت أن الرجال أكثر نسياناً من النساء.

                                  ظروف حياتية

من جانبه، يرى طبيب الأعصاب د. محمد أبو ندى أن هناك بعض الأمراض تسبب النسيان في حال أصيب بها الشخص، مثلاً كمرض الزهايمر، والصرع، أو نقص بعض أنواع الفيتامينات كــ B12 و B6.

ويعتبر الدماغ كوعاءٍ له سعة معينة، وكلما ازدحم بمسائل كثيرة، سيطرأ النسيان على مسائل أخرى، وأهالي قطاع غزة لديهم من المشاكل والأعباء ما يشغل عقولهم طوال الوقت.

ويشير د. أبو ندى إلى أن حالة الفقر التي يعيشها الكثير من أهالي قطاع غزة، واتباعهم التغذية غير المكتملة، والتي تسير في اتجاه واحد، المفتقدة لكثير من العناصر الغذائية المتنوعة، تؤثر سلباً على صحة الإنسان، وتسبب نمواً عقلياً غير مكتمل.

الفراغ الذي يعيشه الكثير من الشباب والرجال في قطاع غزة، يدفعهم للهرب إلى التدخين، ما يجعل ذاكرتهم عرضة للنسيان، وهذا ما أكدته دراسة أجراها باحثي جامعة Edimbourg، ونشرت نتائجها في المجلة العلمية Molecular Psychiatry Journal.

وتبين الدراسة أن الطبقات الخارجية من الدماغ تتآكل بسرعة لدى المدخنين مع مرور الوقت، وأن المناطق المتضررة هي موجودة بمنطقة القشرة الدماغية التي تتحكم بالذاكرة والتركيز لدى الأفراد.

ويرى د. أبو ندى أن الفئات الأكثر عرضة للنسيان هم الأشخاص الذين تمتلئ أدمغتهم بكثير من المشاكل الحياتية والصحية، وعلى الجميع تناول بعض الفيتامينات، والمكسرات، والفواكه والخضار، والابتعاد عن المناطق التي فيها مشاكل بيئية، من أجل الاحتفاظ بذاكرة جيدة.