غزة:
قبالة منضدة خشبية تجلس مجموعة من الفتيات يراقبن الخطوات التي يجريها المحاضر أمام أعينهن، ثم يطبّقن ما تعلّمن على الهواتف الذكية المرصوصة أمامهن لإصلاحها من خلال الاستعانة بالمفكات والكاوي والعدسات وبعض الأدوات الأخرى، يتّخذن مما يتعلّمن قواعد متينة للوصول إلى حلمهن في أن يصبح لكل واحدة منهن ورشة خاصة تحقق من خلالها مصدر رزق.
حتى وقت قريب؛ كان عمل الفتيات الفلسطينيات في مجال صيانة الهواتف الذكية غير منتشر في قطاع غزة، لكن عدة فتيات اقتحمن هذه المهنة بإصرار على أن يكون لهن بصمة، تقول إيمان الكرد إنها اتجهت لدراسة تخصص صيانة الهواتف الذكية عندما أنهت دراسة البكالوريوس في الرياضيات ولم تجد فرصة عمل بسبب البطالة التي تخيّم على قطاع غزة والتي وصلت إلى 54%.
"الحياة مجازفة"، هكذا أجابت الكرد عندما سُئلت عن بدايتها في هذا المجال مشيرة إلى أنها لا تجد صعوبة في التعامل مع أدوات تصليح الهواتف الذكية لأنها تستشير العديد من الخبراء القدامى في هذا المجال, كما وتلتحق بالدورات التدريبية التي تمكّنها من اكتساب المهارات والخبرات لتستطيع إصلاح عدة أنواع من الهواتف كالسامسونج والنوكيا وكسب ثقة الزبائن.
"الحب مع الموهبة يصنع المستحيل"، تلك هي القاعدة التي اتخذتها بابل قديح لتسطيع الوصول لحُلمها في مجال صيانة الهواتف الذكية، دوماً كانت تعبث بإعدادات هاتفها للتعرّف على مزاياه وعيوبه أو تصليح أي خلل يصيبه قبل أن تقرر دراسة هذا المجال في الكلية ليكون هو مستقبلها، بدأت بإصلاح الأمور البسيطة مثل "السوفيت وير" باستخدام الحاسوب وبرامجه، ثم انتقلت لفك اللوحة ومن ثّم تصليح الهواتف كالآيفون والسامسونج والهواوي.
تتخذ قديح من النساء السعوديات قدوة لها فهن استطعن فتح شركات لهذا المجال، أما عن السخرية التي تلقّتها من البعض عندما قالت إنها ستعمل في هذا المجال، فقد قابلتها بالمزيد من الإصرار وجعلها أكثر قوة، حتى أنها تواصلت مع فريق من العراق عن طريق الانترنت لاستشارتهم في بعض الأمور التي صعبت عليها، والآن أصبح كل من حولها يطلبون منها إصلاح هواتفهم، بل وبات لديها زبائن، ولكنها تعقّب: "أواجه مشكلة أحياناً بتوافر الأدوات اللازمة للصيانة لكن ما زلت أحاول التغلب عليها".
بدورها تصف سحر أبو غزة تجربتها "ما زلت أتعثر ثم أحاول من جديد" فرغبة والداها باستمرارها في هذا المجال هو ما جعلها تحبه وتحاول أن تتقنه رغم أنها لم تكن ترغب به في البداية , مشيرة إلى أنها التحقت بعدة دورات بعد أن تسببت "الكاوية" بحرق يدها, ثم بدأت تأخذ حذرها عند استعمالها لتلك الأدوات وتكتسب بعض الخبرات كمسك الكاوي والمفكات والملاقط وكيفية التعامل مع لوحة الجهاز واصلاحها.
تستطيع أبو غزة إصلاح الهاتف الذكي مستعينة بتشخيص العطل من قبل مالكه لأنها مازالت مبتدئة على حد وصفها, كما وتحاول التدريب في منزلها على صيانة بعض الهواتف كالهواوي والنوكيا والسامسونج لتطوير قدراتها وتتمكن من اجتياز العقبات التي تواجهها أثناء التصليح, مؤكدة أن الفتاة ستبقى قلقة عندما تصلح هاتفها الذكي لدى ورشة تتبع لشاب بينما ستكون مطمئنة أكثر عندما تتولى فتاة مثلها هذه المهمة.
وتعمل الفتيات الثلاث من خلال ورش صغيرة في بيوتهن معتمدات على الأصدقاء والأقارب وحساباتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي لجلب الزبائن الراغبين في تصليح هواتفهم الذكية، على أمل أن يكون لكل واحدة منهن ورشتها الخاصة ذات يوم، بعد اكتسابهن الخبرات الكافية لإدارة الورش والتعامل مع الزبائن وكسب ثقتهم، بل وربما يلجأن لإنشاء ورشة واحدة تجمهن سوياً ليستفدن من خبرات بعضهن.
وأكد الدكتور نور أبو عون المحاضر في كلية الدراسات المتوسطة بجامعة الأزهر أن الشابات تخوّفن في البداية من الالتحاق بهذا التخصص لكن سرعان ما تبدد عند ممارستهم له من خلال المساقات التطبيقية التي اجتازوها وتدعيمه من خلال دراسة مساقات الجانب النظري وذلك للتأكد من وصول المعلومة لهن بالكامل وقدرتهن على إصلاح كافة الهواتف الذكية المتوافرة بسوق العمل.
ووضّح أبو عون أن الفرق بين التخصص الذي تدرسه الطالبات والدورة التدريبية أن الدورة مجرد خبرة يتلقوها أما التخصص فيمكن بعد دراسته التجسير لأي تخصص في تكنولوجيا المعلومات، منوهاً إلى أن التحاق الفتيات بهذا المجال فرصة جيدة بالنسبة لهن بسبب خصوصية المجتمع الفلسطيني وعدم صعوبة هذه المهنة، فهي لا تحتاج لحمل أشياء ثقيلة فكل ما تكلفه هي إيجار الورشة وأدوات تصليح تلك الهواتف التي تستطيع الطالبة امتلاكها خلال فصول الدراسة.
خطوة وجود فتيات يعملن في هذا المجال، شجّع الكثير من النساء على الاتجاه نحو تصليح هواتفهن الذكية لديهن، فالمجتمع الفلسطيني في قطاع غزة بطبيعته محافظ جداً، تتردد النساء فيه كثيراً بالاتجاه لتصليح هواتفهن لدى مراكز صيانة يعمل فيها ذكور بالتالي يصبح الخيار الأسهل التخلص من الهاتف واستبداله بهاتف آخر.
ايمان الكرد
بابل قديح
سحر أبو غزة
