هدم المنازل...معاناة مضاعفة على المقدسيات
تاريخ النشر : 2019-05-26 10:25

القدس المحتلة:

ها هي إخلاص عليوات (31 عاماً) من بلدة سلوان بالقدس المحتلة تعود مجدداً للسكن في بيت أهلها؛ لكن مع زوجها وأبنائها الخمسة، لأن الاحتلال أجبرهم على هدم منزلهم بأنفسهم حتى لا يتحملوا تكاليف الهدم التي قد تصل إلى 60 ألف شيقل.

بيت إخلاص قبل الهدم لم يتجاوز الغرفتين والمطبخ والحمام وصالة، لكن حالهم كان أفضل، إلا أن الاحتلال لم يترك لهم خياراً آخر، وتقول إخلاص: "بعد مقارعة في أروقة محكمة بلدية الاحتلال لمدة ثمانية سنوات، وفي عام 2017 أقرت المحكمة قرار هدم إداري، بتاريخ 4 أكتوبر 2018  بحجة البناء دون ترخيص؛ أصدرت محكمة البداية قرار هدم ذاتي يجبرنا على إخلاء المنزل بشكل فوري وهدمه، ودفع مخالفة بقيمة 28 ألف شيكل".

 وأضافت: "أنا وزوجي خلال مدة الثماني سنوات نقوم بدفع مخالفات وصلت إلى 150 الف شيكل"، وتكمل إخلاص: "أفتقد المنزل الذي بدأت حياتي الزوجية فيه واعتاد عليه أبنائي وأسسنا معيشتنا في محيطه"، فأولادها يقصدون مدرسة قريبة من المنزل كانوا يذهبون إليها سيراً على الأقدام، أما حالياً فإن منزل عائلتها بعيد نسبياً عن المدرسة، ما يضطر والدهم لإيصالهم إلى المدرسة وإعادتهم كل يوم من حي رأس العامود إلى حي الثوري في سلوان الأمر الذي يستغرق حوالي ساعة على الأقل.

قصة هدم أخرى لعائلة إيناس الشلودي بدأت في نوفمبر 2014، الساعة الواحدة ليلاً حيث اقتحم عناصر من جيش وشرطة الاحتلال وجهاز المخابرات محيط المنزل، وبدأوا بأخذ قياسات العمارة، وتم تسليمها أمر بإغلاق المنزل ومنع استخدامه بحجة ادعاء الاحتلال أن ابنها الشهيد عبد الرحمن الشلودي قام بعملية دهس لمستوطنين وأعدموه ميدانياً رغم تأكيد شهود عيان أن ما حدث مجرد حادث سير في منطقة التلة الفرنسية بالقدس.

 خلال النهار من نفس اليوم، حضر عناصر من شرطة وجنود الاحتلال الإسرائيلي، وقاموا بإخلاء جميع سكان العمارة مرة أخرى وتجميعهم في منطقة خيمة البستان (خيمة دائمة للاعتصامات في حي البستان بسلوان ) القريبة من العمارة بعد 5 ساعات من هذا الحجز.

تروي إيناس: "سمعت صوت تفجير، فعلمت أنه تم تفجير منزلنا داخلياً، إلا أن هذا التفجير أدى إلى تصدّع العمارة بأكملها وتضررها، وبعد هدم منزلنا قمنا بالانتقال إلى شقة شقيق زوجي القريبة منا، والتي كنا قد نقلنا بعض الأثاث المنزلي إليها تحسباً لمثل هذا الحدث".

وتتحدث إيناس عن تجربة الانتقال إلى منزل آخر بهذه السرعة ووصفتها بالصعبة جداً، خاصة وأن وضع المنزل كان سيء لأنه مهجور منذ فترة طويلة، كما أن مساحة المنزل صغيرة جداً 70 م2 مقارنة بعدد أفراد المنزل 7 أفراد، هذا عدا عن الحاجة لإعادة تأهيله من ماء وكهرباء.

إيناس اليوم  تعيش في حي كفر عقب الذي يقع إلى الشمال من مدينة القدس بنحو 14 كيلومتر، وإلى الجنوب الشرقي من مدينة رام الله  إلا أن منزلها الأول ما يزال يعشعش في ذاكرتها، وحيثيات هدمه ما زالت مرسومة أمام عينيها وتفتح عليها كل مواجعها منذ استشهاد ابنها عبد الرحمن وحتى اليوم.

أما فريال جعابيص" 40 عاما"ً، فقد تبدد حلمها بمنزلها الذي استمر 15 عاماً منذ وفاة زوجها في العام 2003، ولم تفتئ أن سكنته 3 أشهر فقط مع أبنائها الخمسة، إلا أن إخطاراً بالهدم طال ذلك الحلم بحجة النباء دون ترخيص، بالرغم من الاستئنافات التي قُدمت لمحكمة الاحتلال.

ففي تاريخ 19 فبراير 2019 فوجئت فريال بحضور 10 سيارات تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي -القوات الخاصة - وجرافة كبيرة للهدم، ولم تعطهم سلطات الاحتلال إلا 20 دقيقة للملمة ما تبقى من حلمهم قبل أن يُهدم ليستغرق الهدم ساعتين!!

أحد الباحثين في مركز أبحاث الأراضي في القدس المحتلة يشير إلى أن حجة البناء دون ترخيص، هي ذريعة يهدف بها الاحتلال لتهويد المدينة المقدسة واخراج أهلها منها، وبالمقابل فإن حاجة المقدسيين للبناء ترافق فكرة الزواج والاستقرار وتكوين عائلة، إلا أن قيود الترخيص "التعجيزية" تحول دون ترخيص المقدسيين لمبانيهم.

وأشار مركز أبحاث الأراضي أن الترخيص ليس سهلاً، وأن نسبة التراخيص التي يمنحها الاحتلال للمقدسيين لا تتجاوز 12%، المشكلة في الترخيص لا تكمن في قطعة الأرض التي ينوي المقدسي البناء عليها، حيث أن سلطات الاحتلال تجبرهم على ما يسمى بتنظيم ملكية الحوض كاملاً، وليس قطعة الأرض فقط، وهو أمر مستحيل وفقاً لمركز أبحاث الأراضي.

كما أن بلدية الاحتلال تستولي على 40 % من مساحة الأرض المنوي ترخيص البناء فيها بداعي الخدمات والشارع والهواء وقد تصل ضرائب التراخيص إلى 300 ألف شيكل.

وتشير توثيقات مركز أبحاث الأراضي إلى أن 90% من العائلات التي يهدم الاحتلال منازلها تصبح عائلات مشتتة، فالأب يسكن عند أهله والأم تعود لمنزل أبيها والأبناء يتوزعون بينهما، كما أن بعض الحالات وصلت إلى الطلاق بعد أن تقطعت بهم السبل للعيش تحت سقف واحد.

منذ العام 1967 حتى مطلع نيسان 2019 هدم الاحتلال 2000 منزلٍ بالقدس، 70 منها أُجبروا على هدم منزلهم بأيديهم، وأكثر من 30 ألف مقدسي ومقدسية تضرروا جراء ذلك.

من جانبها قالت ختام سعافين، رئيسة اتحاد لجان المرأة الفلسطينية إن سياسة هدم المنازل تساهم في مضاعفة معاناة المقدسيات والأسر الفلسطينية بشكل عام، فمن ناحية تفقد العائلة الفلسطينية مقومات الاستقرار والقدرة على الحياة الأسرية الطبيعية، حيث تتشت في بيوت الأقارب، وقد عادت صيغة الأسرة الممتدة للظهور، لكنها مضطرة للعيش في مباني ضيقة تفتقد فيها النساء والفتيات للخصوصية ويتعرضن للعديد من الضغوطات المجتمعية التي تزيد من معاناتهن.

وأضافت سعافين إن سياسية التطهير العرقي التي يتبعها الاحتلال بالقدس تستدعي تضافر الجهود من أجل دعم صمود المقدسييين والمقدسيات من خلال الدفاع عن حقوقهم الوطنية في كافة المحافل وتقديم الخدمات اللازمة للعائلات الفلسطينية في المجالات الاجتماعية والنفسية وتعزيز قدراتهم الاقتصادية.