هلا فلسطين،، محاضرات فوق الركام
تاريخ النشر : 2019-05-17 10:39

غزة:

على أنقاض مركز هلا فلسطين للتدريب بمدينة غزة، تنشغل المدربة إسراء البحيصي في تقديم محاضرتها حول التقرير المتلفز، بينما يتخذ المتدربون والمتدربات من الأحجار المكسّرة مقاعد ومن أكوام الرمال متكأ لحقائبهم ودفاترهم، مشهدٌ يبدو غير مألوف لمحاضرة تجاور هوّة كبيرة تمكّنك ببساطة من مشاهدة الدمار الذي لحق بالطابق الذي يدنوه.

قرار عودة المحاضرات اتخذه الشاب الثلاثيني صابر مطر مدير مركز هلا فلسطين المدمّر، فعشرات الطلبة والطالبات ممن يلتحقون بالمحاضرات من الصعب وقف مسيرتهم التعليمية، وبكل ما يعتمل في صدره من حزن على مشروع عمره الذي ضاع في لحظات يقول: "عدنا على الأنقاض ونحتاج التفكير في المستقبل".

وشنت قوات الاحتلال الإسرائيلي يومي الرابع والخامس من مايو آيار 2019 عدوانًا على قطاع غزة، راح ضحيته 27 شهداً بينهم سيدتين حوامل وطفلتين، وإصابة 160 آخرين، إضافة إلى تدمير 130 بناية بشكل كلي و 770 بشكل جزئي.

"نقدّم في مركزنا دبلوم الصحافة والإعلام ودبلوم الخياطة والتطريز، عرض بعض أصدقائي استضافتي في مكاتبهم، ولكن هذا صعب، فمركز تدريبي بحاجة إلى مساحة لا تقل عن 200 متراً وإمكانيات كالأجهزة التي تم تدميرها، وحالياً يدرس 50 طالبة وطالب في تخصص الصحافة و40 في الخياطة والأزياء"، يقول الشاب صابر.

يقع مركز هلا فلسطين في الطابق الخامس من عمارة الغصين غرب مدينة غزة، وهو مشروع شخصي للشاب صابر مطر خرّيج هندسة الكمبيوتر الذي رفض الانضمام لصفوف البطالة المنتشرة في قطاع غزة والتي تجاوزت 52% وفق تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وعلى مدار 6 سنوات، أنشأ مركزه وطوّره ضمن مسيرة جِدّ بدأها منذ كان عاملاً بسيطاً في فندق حتى إدارة المركز.

يوضح صابر: "عملت بداية في مطبخ فندق هنا في غزة، ثم مسوّق ميداني، ثم تقديم استشارات لشركات محلية، في ذات الوقت كنت أدرّب في هذه المؤسسات"، وكان صابر يدخّر ما بوسعه لافتتاح مركزه الخاص دون مساعدة من أي طرف.

بقايا أوراق العمل الممزّقة وشبه المحترقة، اختلطت بحطام أجهزة اللاب توب وجهاز العرض البروجكتور، وكمية من الأقمشة والخيطان المدفونة تحت الرمال التي يخرج منها بشكل خفيف رائحة البارود الناتج عن الصاروخ المنفجر في الطابق نفسه.

ويستغرب صابر أن يستهدف القصف الطابق الخامس مباشرة حيث لا يتواجد سوى مركز هلا فلسطين ويقول: "الغريب أن القصف استهدف المركز مباشرة، فأنا ليس لي أي انتماء سياسي، أركز كثيراً في مشروعي الشخصي الذي ضيعوه".

لم يتدبر صابر أمر إمكانياته ببساطة، فعلى مدار 6 سنوات، عمل بسياسة النفس البطيء، بين فترة وأخرى يضيف جهازاً جديدًا، أو يطوّر إمكانيات موجودة، حتى بات لديه مختبراً للحاسوب فيه  10أجهزة لاب توب ببرامج مونتاج حديثة وجهاز عرض، وكذلك مشغل خياطة يضم 10 ماكينات خياطة ماكينتين للدرزة، ولفائف أقمشة.

ويطرق برأسه وهو ينظر إلى أكوام الركام وبقايا شهادات التقدير ويتذكر كل لحظة ناضل من أجل مشروعه، حين سمع بخبر قصف العمارة عاد إليها مسرعاً في محاولة لإنقاذ أي شيء، وأمام عينيه المذهولتين أطلق طائرة حربية صاروخاً، اندفع محاولاً دخول العمارة لكن أمسكه الجيران ومنعوه بالقوة.

يقول مثل فلسطيني إن "المال يعادل الروح"، ويرى صابر إن مشروعه هو روحه كلها، فهنا كان يقضي كل نهاره سوى ساعات النوم، اتخذ من حجر مكسور مقعدًا، ووضع يده على رأسه وهو يستذكر كل فنجان قهوة شربه في مكتبه وبين طلابه، وكل ابتسامة علت وجوه الشبان الذين ربطته بهم علاقة صداقة فهو لا يتحدث عن تعليم روتيني، بل تدريب عملي قائم على الشراكة.

يقول صابر: "كنت أطمح لتطوير التخصصات وصولاً إلى مركز تدريب مهني متكامل، لكن العودة إلى ما قبل الصفر أصعب"،  قدّرت وزارة الاقتصاد خسائر مركز صابر المالية بأكثر من 25 ألف دولار، يجزم إن استلامها أصعب من تقديرها، فكثير ممن دُمرت منازلهم ومؤسساتهم في حرب 2014 لميتم تعويضهم حتى الآن.

صباح اليوم الثاني لقصف العمارة، انتظم طلبة المركز ممن تم تخريجه مسابقاً وهم150 طالبة وطالب إضافة إلى طلبة حاليين في اعتصام تضامني أمام البناية، يقول صابر: "الطلبة في حالة صدمة، أحضر إلى هنا بشكل مستمر، ولكن من الصعب على الطلبة مواصلة الدراسة فوق الركام، أفكر في بدائل أكثر إنصافاً ولكن كل البدائل صعبة حتى الآن".

ويحمّل المهندس الشاب الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية مع لحق به من خسائر، ويعتزم التقدم بشكوى رسمية لرفع قضية على الاحتلال، وفي ذات الوقت يطالب الحكومة الفلسطينية بالعمل على دعمه من أجل العودة كما كان.