"وكأنه لا يكفينا ما لحق بنا من أذى بعد حبس زوجي ومحاكمته بتهمة التخابر مع الاحتلال؛ حتى جاءت الطامة بقطع راتبه الذي كان يسد حاجة الأسرة، ويستر عورتها بعد ما يزيد عن عامين من اعتقاله"، كلمات امتزجت بدموع قهر ترافق الخمسينية أم جهاد في كل أوقاتها.
تقول أم جهاد (نكتفي بذكر كنيتها) كان يوم أسود حينما خرج زوجي لعمله كآذن في إحدى المدارس الحكومية ولم يعد بعد انتهاء الدوام المدرسي، وبعد أيام من البحث والسؤال علمنا أنه اعتقل أثناء ذهابه للعمل، وكانت الفاجعة بأنهم يتهمونه بالتخابر مع الاحتلال ليصدر حكماً بحقه قبل ما يزيد عن ثلاثة أشهر بالحبس 15 عاماً، لم نستسلم ونحاول الاستئناف إيماناً منا ببراءته، لكن ما زاد الطين بلة حينما ذهبت لاستلام راتبه الذي بالكاد يكفينا بجانب راتب ابنتي الشهيدة، فوجئت بأن لا راتب له".
حملت أم جهاد مصيبتها التي أضيفت إلى مصيبة الحكم على زوجها وعادت بخيبة أمل إلى منزلها الذي بالكاد يصلح للحياة.
ويعيش على راتب (أبو جهاد) أسرة مكونة من سبع بنات وثلاثة أبناء ذكور بالإضافة لزوجته، أصبحوا اليوم بلا مصدر رزق، ولا تعرف أم جهاد كيف السبيل الى استعادة راتب زوجها لتتمكن من إعالة أسرتها ومتطلباتها التي لا يمكنها أن تتوقف، وتتساءل عن الجرم الذي ارتكبته وأبناؤها ليتم محاكمتهم بعد محاكمة أبيهم؟.
تقول لـ "نوى" : "لدي ثلاث بنات خريجات جامعيات ولكنهن لم يحصلن على أي فرصة عمل كحال جميع الخريجين والخريجات في قطاع غزة، ولم أعد قادرة على اعطاء أبنائي مصروفهم اليومي وبالكاد أستطيع تدبير ما يمكنه أن يجعلنا على قيد الحياة، فقد اضطررت إلى بيع توكتوك وموتوسيكل كان يمتلكهما زوجي لأتمكن من إعالة بناتي وأبنائي، ولكن كيف سأتصرف بعد نفاذ المبلغ الذي اتفقده كل ساعة فهو بالكاد يمكّننا من شراء الأساسيات ولكنه لن يستمر طويلاً".
وتروي أم جهاد كيف انقلبت حياتهم رأساً على عقب بعد حبس زوجها على قضية أمنية:" كانت ابنتي في السنة النهائية في الكلية، ورفضت الخروج من المنزل ومواصلة دراستها، لشهور، كانت تقول " كيف سأواجه زملائي وأبي متهم بتهمة كهذه"،...في حين أنهت شقيقتها الصغرى الثانوية العامة ووالدها في السجن، ونجحت بتقدير يمكّنها من دخول الجامعة، لكن والدتها لم تستطع حلمها بذلك، واكتفت بإرسالها إلى تدريب مهني مجاني يتناسب مع ظروفهم الحالية.
"لم يعد الحال كما كان، كل شيئ تغير بعد دخول زوجي السجن، وكل ما أتمناه اليوم أن يعود راتبه وراتب طفلتي الشهيدة لأستطيع تدبير احتياجات أسرتي"، تقول أم جهاد.
وتناشد أم جهاد الرفق بذوي المتهمين والمدانين بالتخابر وألا يصدروا الحكم بإعدامهم جوعاً بعد قطع رواتبهم التي تكفيهم شر السؤال.
وبالعودة لقانون الخدمة المدنية، يؤكد المحامي والناشط الحقوقي عبد الله شرشرة أن القانون كان واضحاً في هذه المسألة، وذكر أن البند السابع من المادة 96 من قانون الخدمة المدنية ينص على انتهاء خدمة الموظف في حال الحكم عليه بحكم نهائي من محكمة فلسطينية بجناية أو بجنحة مخلة بالشرف أو الأمانة وهو ما ينطبق على من يدان بالتخابر مع الاحتلال.
وأكد شرشرة أن القانون الفلسطيني لم يتطرق لوضع الأسرة، بعد انتهاء خدمة الموظف المُدان بحكم نهائي بشكل مباشر، ولكن بمجرد تطبيق القانون على أي شخص يدان بمثل تلك الجرائم تصبح الأسرة بلا مصدر دخل شهري، لكن هناك مؤسسات حكومية، تعنى بالعناية بالأسر التي لا تمتلك دخلاً شهرياً، كوزارة التنمية الاجتماعية عبر البرنامج الوطني لمكافحة الفقر.
ولفت شرشرة أن مثل هذه الأسر عليها التقدم بطلب للبرنامج الوطني لمكافحة الفقر حتى تستفيد من خدماته في حال انطبقت عليها المعايير، مؤكداً ضرورة وجود برامج لرعاية هذه الأسر وفق إستراتيجية واضحة للقضاء على هذه الظاهرة.
