غزة:
لم تستطع السيدة أم فكري جودة إخفاء حزنها على مستقبل أبنائها المتفوقين الذين يُحرمون الخروج من قطاع غزة نهائيًا بسبب حملهم لجواز سفر "مصفّر"، وتوضح السيدة السبعينية التي عادت إلى قطاع غزة من العراق عام 2000: "عدنا إلى قطاع غزة عن طريق مطار غزة الدولي قبل أن يدمره الاحتلال، لم نكن نحمل الهوية الفلسطينية، فقط وثيقة السفر المصرية، وكان يفترض أن يتم حل قضية العائدين ولكن تعطّل الملف وأصبحنا محاصرين داخل القطاع بلا خيارات".
تفتح قصة السيدة جودة قضية نحو 5000 من المواطنين في قطاع غزة حُرموا من بطاقة الهوية الرسمية ذات اللون الأخضر، ليحصلوا بدلًا منها على جوزا سفر "مصفّر" لا يحظى بصفة رسمية، هؤلاء المواطنون كانوا نازحين خارج الوطن، ومع عودة السلطة الفلسطينية بدأوا العودة تدريجيًا، ليفاجئهم الواقع؛ لا يعترف بأوراقهم أحد!!
ويعاني أصحاب الجوازات المصفّرة من عدم قدرتهم على التحرّك خارج قطاع غزة، وما يحمله ذلك من مشّقة لعائلات تريد رؤية أبنائها في الخارج أو شباب يرغبوا في إكمال مسيرتهم التعليمية أو الخروج للعلاج أو أداء الشعائر الدينية كالحج والعمرة وزيارة المسجد الأقصى، وحتى السفر بغرض الترويح عن النفس فهو واحد من حقوق الإنسان.
تكمل السيدة جودة: "عاد أحد أبنائي وزوجته قبلنا بثلاث أعوام وقد حصل على الهوية هو وأبناؤه، بقيت المشكلة تتعلق بي وبابني المهندس لؤي وزوجته وبالتالي أبنائه، حيث يتمنى أن يحصل ابنه الذي يدرس الثانوية العامة على فرصة إكمال تعليمه خارج البلاد، بالإضافة إلى ابني الأصغر المهندس وليد الذي فقد منحتين للدراسة بالخارج بسبب عدم تمكنه من السفر".
نهاية العام 2018 توفي زوجها الحاج أبو فكري بعد صراع مع المرض الذي عاناه لسنوات بعد عجزه عن الخروج للعلاج بسبب عدم حمله جواز سفر، أراد أبناء السيدة أم فكري اصطحاب والدتهم للعمرة فلم يتمكنوا.
تقول السيدة أم فكري: "عام 2012 حضر ابني من الخارج لزيارتنا وهو مثلنا يحمل جواز سفر مصفّر هو زوجته، هل يصدق أحد أننا في القرن الحادي والعشرين يضطر ابني وهو بروفسور وزوجته الدكتورة إلى دخول قطاع غزة عبر الأنفاق لزيارتنا بعد انقطاع 12 عامًا!!".
يعي أصحاب الجوازات المصفّرة تفاصيل مشكلتهم جيدًا، ولكن المعضلة تبقى في مماطلة جميع الجهات المعنية في الحل، تجمّعوا بشكل غير رسمي من أجل التواصل لترتيب عملية التواصل مع المسؤولين من أجل الضغط لحل قضيتهم، فوجودهم في قطاع غزة دون تمكنهم من المغادرة أشبه بالاعتقال الأبدي
يقول الصحفي مثنى النجار وهو أحد المبادرين بهذا التجمّع وحُرم مؤخرًا من أداء مناسك العمرة: “نحن قرابة 5000 مواطن في قطاع غزة، نمثّل الدفعة الأخيرة من حملة الجوازات المصفرة إذ تم حل الدفعات التي سبقتنا بالتدريج، كان يفترض حل قضيتنا ولكن توقّف العمل على هذا الملف منذ عام 2007".
ويوضح النجار إن الجهات المنوط بها متابعة هذا الملف هم دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية ووزارة الخارجية والسفارة الفلسطينية بالقاهرة، ولكن كل هذه الجهات ما زالت تماطل وكل طرف يلقي بالمسؤولية على الآخر.
ويضيف النجار إن أصحاب الجوازات المصفرة يعانون بشدة نتيجة حرمانهم من حقهم في التحرّك، ما بين طلبة وخاطبين ومن يحتاجون العلاج أو الحج، لكن حتى الآن لا يوجد حلول هناك من حاولوا الخروج عبر التنسيق ولكن أيضًا فشلوا.
وبينما لم تتمكن نوى من الحصول على تصريح لتوضيح الموقف من قبل وزارة الشؤون المدنية بدعوى أن هذا الملف ليس من اختصاصهم، أيضًا هو ملف سياسي لم تحمله مؤسسات حقوق الإنسان، بالتالي يبقى جهد السلطة الفلسطينية فقط هو من يحمل هذا الملف.
