ترتسم الابتسامة على ثغرها، رغم أوجاعها التي تتعدى بؤس المعيشة. الفقر وضيق الحال كان أمر اعتادت عليه، بل واستطاعت قهره بوجود زوجها وشريكها في الحياة إلى جانبها، لكن الحال أصبح أكثر سوءا، والغرفة التي تأويها وأبنائها الستة باتت أكثر ضيقاً وبرودة.
في الغرفة البائسة ذات الجدران المهترئة، والتي تخلو من أي مقومات للحياة، تعيش المسعفة الميدانية لمياء أبو مصطفى التي فقدت زوجها الجريح في مسيرات العودة بعد استهدافه برصاصة في الرأس، بعد خمسين يوم من إصابته برصاصة متفجرة في الركبة افقدته المقدرة على المشي بلا أدوات مساعدة، لكنها لم تفقده الرغبة الملحة والتصميم على المشاركة في مسيرات العودة.
كلمات كثيرة وجمل طويلة وقصص تختزل حكاية زوجين جمعهما الحب وفرقتهما رصاصة اسرائيلي لا تتوقف عن وصفه بالجبان لأنه استهدف جريح يستظل بشجرة في مخيمات العودة شرق خانيونس.
لا تمل الحديث عنه، وذكر مناقبه "كيف لا وهو من آثر على نفسه ووقف بجانبي لكي أكمل دراستي بعد ان تركتها لسنوات وأصبح لدي جيش من الأطفال، وهو من ألح علي لكي أكمل دراستي الجامعية، رغم سوء اوضاعه الاقتصادية، وباع سيارته التي نقتات من خلالها كي لا يحرمني حلماً بأن أصبح متعلمة".
تروي المسعفة المتطوعة في فرق الإسعاف التابعة لوزارة الصحة لـ"نوى" عن بداية انضمامها لفريق المتطوعين في انقاذ الجرحى على الخطوط الأمامية ضمن مسيرات العودة: "كنت في المنزل حينما أتاني اتصال من زوجي يصف لي مسعفة تتنقل كما الفراشة لإسعاف واخلاء المصابين، قال لي " اسمها رزان النجار، لما لا تأتي وتنضمي لهذا الفريق، وحينها قررت المشاركة رغم عدم اقتناعي بجدوى مسيرات العودة، وبدأت رحلة العمل ضمن فريق للمتطوعين، نتقدم حتى مسافة صفر، ولا نهاب رصاص الاحتلال، نحن أصحاب رسالة انسانية، ولا نشكل أي خطر على اسرائيل" ولا تنسى لمياء مشهد اعدام رزان النجار امام عينيها، فقط كانت ترفع يديها وتعمل على اخلاء المصابين حينما باغتتها الرصاصة الغادرة وهي ترتدي شارة الإسعاف".

ولم تنقطع ابو مصطفى عن المشاركة في مسيرات العودة بعد انقضاء عدتها الشرعية، مؤكدة على أنه واجب لا يمكن التراجع عن أدائه، وتقول "استطاع زوجي الشهيد ان يرسخه بداخلي، سأواصل حتى النهاية".
الجمعة الأخيرة
للعودة حكايات كثيرة وقصص تختزلها ذاكرة لمياء إلا ان أشد الذكريات قسوة والتي لم تتقبل حقيقتها حتى اليوم رغم مرور ما يقارب ثمانية أشهر، هو مشهد زوجها الشهيد غازي وهو ملقى على الارض وقد غطت الدماء وجهه وتاهت عيناه فلم تعد تراني ، نظرت اليه كثيراً رجوته ان يعود لي، لنا، لكنه لم يعد.
وتروى تفاصيل تلك الجمعة التي شابها بعض المناكفات بينهما، خرج غازي صباحاً دون أن يودعني، كان قد أصبح شديد الحساسية بعد إصابته في قدمه، لكنه ما لبث أن هاتفني من مخيم العودة، ليسألني إن كنت سوف أحضر، قلت له "لا ما بدي اجي، حكالي لا تعالي علشان تشوفيني لما استشهد".
وتضيف: "ذهبت، وجلسنا سوية، تبادلنا اطراف الحديث، وحينما سمعت اطلاق نار كثيف، ذهبت ووعدته ان أعود سريعا، وحينما رجعت لم أجده، وتجمع حولي جميع زملائي المسعفين، وعيونهم تقول لي أشياء لا أريد أن اصدقها، سألت " طخوه؟ طيب شو وضعه؟ وينه؟ اشاروا لي على خيمة الهلال الأحمر، هرعت إليها، شعرت أن الدقيقة بألف، أريد ان أراه، اريد أن اطمئن أنه بخير وعلى قيد الحياة، وكلي خوف من أن يكون قد فعلها واستشهد، فتحت الخيمة، وكان الفاجعة بأن الرصاصة في الرأس، كانوا يحاولون انعاش القلب، لكنه لم يلبث إلا أن أعلن عن استشهاده بعد وصوله المستشفى الاوروبي.
وبعد ان عادت لمياء لمواصلة عملها التطوعي والانساني في اسعاف الجرحى بمسيرات العودة لا تخشى الموت أو تفكر به، لافتة إلى أنها ستشارك في الذكرى الأولى لإنطلاق المسيرات ولن يثنيها شيئ عن ذلك.
وتؤكد ودموعها شاهدة على حالها، أنها تفتقد مصدر الأمن والأمان الذي كانت تشعر به برفقة شريك عمرها، "كنت أشعر بأنه الملاك الحارس لي من أي سوء يمكن ان يلحق بي، لكن بفقداني غازي فقدت كل مقومات وأسباب الصمود" كما قالت.

