غزة:
لم يحتفل قطاع غزة باليوم العالمي للمسرح الذي يصادف 27 مارس/ آذار من كل عام، إذ يلملم الناس هنا جراحهم بعد ثلاثة أيام عصيبة قضوها على وقع القصف الإسرائيلي الذي طال العديد من المباني السكنية والمؤسسات الحكومية، ومن الناحية العملية، تبدو غزة أكبر مسرح عمليات عسكرية في المنطقة، مسرح ترجيدي لا يعرف الضحك، في ظل حالة البؤس والقمع والقصف، التي لم يسلم منها المسرح نفسه، خصوصا بعد تدمير الطيران الإسرائيلي لمؤسسة سعيد المسحال للثقافة والفنون والتي كانت تضم المسرح الوحيد في قطاع غزة المؤهل للعروض المسرحية.
في اليوم العالمي للمسرح أو "أبو الفنون" وأولها (كما عُرف منذ أوجده الإغريق والرومان)؛ يعاني المسرح في قطاع غزة الكثير من المعوقات؛ حيث يطبق الحصار بفكيه على كل مناحي الحياة ويحول الفقر دون تمكّن الناس من جعله جزءًا من حياتهم، بينما يناضل المسرحيون من أجل البقاء وتوصيل الرسالة وحمايته من الاندثار.
حديثًا، انتهت الفنانة المسرحية وسام ياسين من عرض مسرحيتها "بيرضيك هيك"، والتي تناقش حق المرأة في الميراث وهي منفذة من قبل جمعية وفاق للمرأة والطفل في رفح، وشاركها البطولة مجموعة من الفنانين والفنانات منهم فائقة النجار والممثل محمد أبو كويك والمخرج يسري المغاري.

الفنانة التي عادت للتمثيل بعد فترة من الانقطاع ربما بحكم عملها الصحفي، تأمل أن تكون هذه العودة بداية جيدة، وهي ترى أن الحركة المسرحية لم تتراجع يومًا وإنما المسرح لم يأخذ حقه هنا منذ نشأ؛ لأسباب عدة تتعلق بنمط الحياة ومشاغل وهموم الجمهور وقلة الإنتاج وشحّ دور العرض وغيرها، إلا أن المسرحيين صامدون ويحاولون سنوياً إنتاج عدة أعمال تتفاوت في حجم إنتاجها وبالتالي جودتها .
وتعتقد ياسين إن المواضيع التي يتناولها المسرح الفلسطيني عادة انعكاس للحالة المحلية في أغلب الأعمال، بالتالي هي اجتماعية ووطنية وسياسية بامتياز، وللأسف يعاني المسرح في غزة من قضيتي النصوص والتمويل.
وتوضح :"لا نجد نصوصاً مسرحية بالمعنى الحقيقي وفي كثير من الأحيان يعتمد المسرحيون على الارتجال في كتابة نصوص قصيرة، أما بالنسبة للتمويل فيتم الاعتماد على تمويل المؤسسات الدولية التي تفرض مواضيعها على المسرح، وفي حال فكر المسرحيون بعمل مسرحي حر فيتوجب عليهم البحث عن ممول وإنتاج جيد ربما لا يجدونه في نهاية المطاف" .
وتؤكد إن من أصعب الضربات التي وُجهت للمسرح في غزة وللحالة الثقافية بشكل عام هو استهداف الاحتلال الإسرائيلي لمسرح سعيد المسحال الذي كان بمثابة حاضنة للمسرحيين، فهو "كان المكان الأكثر ملاءمة للأجواء المسرحية ولنا فيه الكثير من الذكريات نتمنى أن تشهد غزة صرحاً جديداً ومسرحا ًللفنون والثقافة".
"أعطني مسرحًا أعطك شعبًا مثقفًا"/ مقولة شهيرة اعتدنا التعبير عنها للدلالة على الدور التنموي والتوعوي للمسرح، كواحد من أهم منابر الأدب والرسالة المباشرة مع الجمهور، أهمية يؤكدها المخرج المسرحي حازم أبو حميد والذي يؤمن بأن للمسرح على الدوام رسالة في تجسيد الهوية الوطنية الفلسطينية وهذا ما يحرص عليه المسرحيون.
ويأسف أبو حميد من الواقع المؤلم بقوله :"الحياة المسرحية هنا شبه ميتة، العام الحالي لم يشهد أي عرض مسرحي جديد ولا عروض، نحن نتحدث عن سنوات من الانقسام لم ينشأ خلالها مسرح منتظم والفرق الفنية تراجعت والكثير منها تفككت حتى تلك التي كان لديها أمل".
ويبدو المخرج الشاب محبطًا لهذا الوضع إذ أن قصف الاحتلال الإسرائيلي لمؤسسة سعيد المسحال أثرت على العروض المسرحية، فهو كان بمثابة مسرح الفقراء تلجأ له الفرق التي ليس لديها تمويل كبير وكذلك تتوفر به المواصفات المطلوبة، وهذا يضاف إلى العوامل التي أرهقت المسرح الفلسطيني في قطاع غزة، بحيث أصبحنا نرى العروض على فترات متباعدة.
قبل نحو عام أنتج حازم أبو حميد من خلال مؤسسة إبحار -التي يعمل كمخرج لمعظم مسرحياتها- مسرحية اسمها "شريك العمر"، كانت قد حصلت على تمويل معقول ساهم في إنجاحها، ولكن منذ ذلك الحين لم ينتج أي عمل آخر ما دفعه إلى عدم إرهاق الممثلين والممثلات الشباب في القدوم إلى المؤسسة لحين توفر تمويل لعمل فني جديد.
يعقّب أبو حميد:" لدينا مواهب شابة من الجنسين، حين عملت مسابقة لمسرحية شريك العمر تقدم 250 مشترك ومشتركة، وعملت مع الأفضل"، لكن المشكلة حسب رأيه تبقى في عدم وجود ثقافة مسرح في ظل وضع اقتصادي سيء، فلن يكون المسرح أولوية بالمطلق للعائلات، فإنفاق الإنسان على بيته سيكون أهم من دفع مبلع 2 أو ثلاث دولارات من اجل مشاهدة عرض مسرحي.
المسرح هو نافذة المجتمع الترفيهية، يعالج قضاياه بشكل مباشر ويقدم رسالة بعيدة عن مقص الرقيب، لكن من الواضح أنه عاش فترات من الصعود والهبوط وصولًا إلى هذا المنحدر من التراجع حتى بات بحاجة إلى مؤسسة ثقافية ترعاه بشكل كامل، ورغم وجود حالات نجاح فردي لممثلين وأعمال مسرحية سجلت بصمة مهمة؛ لكنها ليست ضمن رؤية شاملة تؤسس لهوية المسرح الفلسطيني، خاصة وأنه ما زال يمارس بعيدًا عن النقد المنهجي الذي يسعى إلى تطويره.

