غزة:
"كسروا فرحة بنتي، بنتي عرسها كمان أسبوع من وين بدي أطلّعها؟" كلمات صرخت بها عايدة الحويطي بعد تدمير منزلها في قصف إسرائيلي استهداف مقرات مجاورة، خلال جولة التصعيد الأخيرة على قطاع غزّة.
تقول عايدة والدة العروسة شيماء الحويطي إن فرح ابنتها كان مقرراً يوم الجمعة المقبل في التاسع والعشرين من مارس / آذار، ومنذ خطبتها، انشغلت الشابة بالتحضير والتجهيز ليوم تحلم فيه بتتويج زواجها مع شريك حياتها.
ما بين شراء الملابس وشراء الذهب، والتحضير لليلة الحناء التي تجتمع فيها الفتيات والنساء يغنين ويرقصن وينقشن الحناء على أياديهن وأرجلهن في طقوس تراثية، تعجّ فيها منازل الفلسطينيين من أهالي العروسين، وكحفلة وداع للعزوبية، كانت تنتظرها شيماء بفارغ الصبر قضي عليها برمشة عين، لا ذنب لها سوى أنها فلسطينية تعيش في قطاع غزّة.
وتضيف الأم "ابنتي دخلت بصدمة مفجعة، خرجنا قسرياً من المنزل بعد اتصال من جيش الاحتلال يأمرنا بإخلائه تمهيداً للقصف، وخلال دقائق كنا في الشارع، أخرجت ابني غصباً عنه، وكادت شيماء أن تقتل نفسها من هول الحدث!".
"في المال ولا في العيال" مثل شعبي فلسطيني يقال عندما تقع المصائب في الأشياء المادية، بدلاً من أن تقع في أرواح أصحابها، أثبتت ظاهرة استهداف المنازل من قبل الاحتلال عكسه تماماً، فمنازل المواطنين ليست مجرّد جدران من حجار مرصوصة فوق بعضها البعض، بل إنها حياة، بأفراحها وأتراحها.
بين هذا الركن الذي اجتمع فيه الأطفال وكبروا إلى أن أصبحوا آباء وأمهات، وهذا المطبخ الذي أشبع برائحة المقلوبة منذ الصغر، والصالون الذي جمع بين الأطفال والآباء والأجداد، كلّه انطفئ بلحظة واحدة، بل كلّه قُتل وقتل أرواح ساكنيه كلما أدركوا الواقع، وأن هذه الحياة لم تعد موجودة من دون سابق إنذار! يا له من أمر مرعب.
لم تكن شيماء العروس الوحيدة التي انهارت مخططاتها في العمارة التي قصفت، بل كان لوليد الشوّا 26 عاماً نصيب ليس بالأقل ضرراً.
"حكتلهم أنا عريس!" عبارة حاول وليد أن يقنع ضابط الجيش الذي هاتفه ليأمره بالإخلاء، في محاولة كان يأمل أن تغفر له ما لم يفعله، ولكن دون جدوى، بالطبع إنه الاحتلال الذي لا يعنيه سوى أننا فلسطينيون وعلينا دفع أي ثمن كان.
يقول الشّاب أن زفافه كان مقرراً عقده بعد أسبوعين من يوم الاستهداف الذي وقع ليلة السادس والعشرين من مارس / آذار للعام الجاري، كان فرحاً بكل تفاصيل تحضيراته التي اكتملت ثمّ طارت في السماء وارتطمت بين الركام.
"بدلة الزفاف التي اشتريتها وحلمت بارتدائها تاهت بين الركام، لا أعرف عن ماذا سوف أبحث، أنا حاسس حالي في حلم بتمنى أصحى منه قريباً" يضيف العريس الذي نغصّت عليه إسرائيل فرحته.
ويتابع "عند قصف المنزل لم أكن فيه، جئت لأتفقد المنزل لم أر العمارة، رجعت إلى منزل أهلي ثم عدت إلى المكان مجدداً وجدتها في الأرض رمادا".
ومن باب الدعم والإسناد للعروس شيماء والعريس وليد، أطلق نشطاء فلسطينيون من قطاع غزّة حملة #بيتنا_بيتك التي حملت مبادرات باستقبال العروسين والاحتفاء بهما في بيوتهم، وكان أبرزها أن دعا إسماعيل هنية شيماء الخروج من منزله كبيت أهلها، وفاعل خير من خارج غزة تكفّل بتجهيزهما بالكامل، وآخرين أبدوا همّتهم للتكفل بسيارات الزفاف والكوافير وتأجير البدل والصالات وتجهيز عفش منازلهما من جديد.
وبحسب إحصائية نشرها "المكتب الإعلامي الحكومي" في غزة، فإنّ طائرات الاحتلال شنت أكثر من 50 غارة، استهدفت بالقصف بنايات سكنية ومقرات مدنية ومواقع للمقاومة وأراضي زراعية، وأسفرت عن قرابة ١٠ إصابات للأهالي.
ووفقًا للبيان، فقد تم قصف 5 مبان سكنية ومقرات، وهي: "مقر شركة الملتزم للتأمين، مكتب رئيس المكتب السياسي لحماس، بناية حسونة السكنية، بناية سكنية بحي النصر، مدرسة سياقة".
