قطاع غزّة:
"أطفأنا المنزل، أغلقنا الباب بإحكام، ذهبت أنا والبنات الثلاث والولدين، بقيت روح وصال في المكان تلوّح لنا بيديها وتتمايل.. غادرنا إلى منزل جديد ستّة أفراد بدلاً من سبعة هذه هي قصّتنا".
مع اقتراب مرور عام على مسيرات العودة، وانقضاء عام تقريباً على استشهاد الطفلة وصال الشيخ خليل، كيف مرّ الوقت على أسرتها؟ وما هي التغييرات التي طرأت على حالتهم الاجتماعية والمادية والنفسية؟ تحدّثت "نوى" مجدداً مع ريم أبو عرمانة أم وصال.
"بعد شهر من استشهادها، غادرنا المنزل الذي كنا نعيش فيه، أو بالأحرى غادرنا الغرفة التي عشنا فيها منذ أعوام"، تقول ريم التي انتقلت من منزلها إلى منزل آخر استُأجر لها من قبل أشخاص لمدّة عام واحد يبدو أنه لن يتجدد، كي تتوسّع فيه هي وأبناؤها الخمسة بعدما كانوا يعيشون في غرفة واحدة لا تتجاوز الأربعة أمتار طولاً وعرضاً.
وتضيف: "توسّعنا قليلاً، وأصبح لنا راتب شهري ضمن قائمة أهالي الشهداء، وبرغم ذلك فإن المصاريف زادت، فالمدارس بعيدة عن مكان السكن الجديد والسوق بعيد والمؤسسات الخيرية التي كانت تساعدنا لم تعد ترغب بذلك بحجة أننا ابتعدنا عن المنطقة التي تغطيها وعلينا البحث عن مؤسسات أخرى".
لم يكن لأسرة الشهيدة مدخول شهري تعيل نفسها به، وإنما كانت تعتمد الأم على مساعدات خيرية تقدم لها من قبل جمعيات خيرية أبرزها جمعية "الصلاح" بمنطقة النصيرات، إلا أنها قطعت مساعداتها بحجة تغيير المنطقة، وأنها صارت مسئولة من جمعيات منطقة المغازي، لكنها رفضت مساعدتها أيضاً لذات السبب "إيجار مؤقت هنا".
ومع استشهاد وصال فقد خصص للأسرة راتب شهري بقيمة 1400 شيكل / 350 دولار تقريباً، يقسّم بين الأم وأبناءها وبين والد الطفلة الذي انفصل عن الأسرة منذ سنوات وتنصّل من مسؤولياته تجاههم – وفق الأم -.
وتتابع الأم أنها تعتقد أحياناً أن حالهم تبدّل للأحسن، إلا أنها تتذكر طفلتها التي كانت تشتهي ما يجلبونه اليوم وتنهمر في البكاء وتظل تسأل نفسها "يا الله، عندما كانت حية بيننا لم أكن أستطيع تلبية ما تحبه وما تطلبه، ما فائدة هذا ووصال ليست هنا؟".
"تعالي يا وصال، نادي وصال"، جملة تسقط سهواً مع الأم في وسط المنزل، عند التجمّع على أكلة تحبها أو حين يشترون الفاكهة والليمون الأصفر! لقد كان عشق الطفلة الشهيدة!
في الوقت ذاته لا تترك وصال أمها وحيدة، فتأتي إليها في المنام لتخفف عنها، تقبلها وتحتضنها بصورة طفلة لم تتجاوز الـ 5 أعوام، - تتحدث والدتها -.

تعجّ جدران المنزل الجديد بصور الطفلة الشهيدة، أمام أسرتها أينما ذهبوا، صورها على شاشات هواتفهم وحقيبتها الممتلئة بأغراضها بينهم، حتى العلم المغمّس بدمائها تحتفظ به أمها، تشمّه وتقول "الله ما أطيب هالريحة يمّه!".
محمّد الشيخ خليل، شقيق وصال الأصغر والبالغ من العمر 12 عاماً، أكثر من تأثر باستشهاد شقيقته وصديقته وصال، فمنذ الرابع عشر من مايو / أيار من العام الماضي، بلغ تحصيله الدراسي أدنى مستوياته، لا تجده أمه إلا شارداً أمام صورتها يتأملها ويصمت، ويبكي ما أن يسأله أحد عنها أو عن الحادثة كونه شاهداً عليها.
وعن سؤالنا حول ما إذا تواصلت بعض مؤسسات الدعم النفسي مع الأم أجابت :"لا أعلم شيئاً عن هذه المؤسسات ولا كيف أتوجه إليها لمساعدة طفلي، حتى يوم أقرر الخروج معه ومع شقيقاته في نزهة لترفيه عن أنفسنا نتذكر وصال وتنقلب الرحلة إلى بكاء ومواساة لبعنا البعض".
وأمّا مؤمن الشقيق الأكبر (22 عاماً) فقد التزم الصمت عندما سألناه عن أكثر شيء يتذكر به أخته، صمت ودمّعت عيناه حتى وجهنا سؤالاً آخر للأم احتراماً لمشاعره.
جمانة وشيماء أريج شقيقاتها الثلاث لم تعد تجتمعن وتتبادلن الأحاديث كما كان الأمر في حياة وصال، يكتفين بتبادل ملابسها التي تعبق برائحتها، وتبادل ذكرياتهن بصمت أمام صورها المعلّقة على الجدران.
