"ما أجمل الماضي فهل يعود غداً!!" لسان حال أم العبد هذه الأيام، وكأنّها تجلد الحاضر المتنكر لكثير من الأصول في المعاملات والأخلاق، والتي استُبدلت بأخرى لا تشببها ولا تنتمي لشعب كتب تاريخه بالوفاء، واحترام الإنسان، وتقدير الأحزان، ومشاركة الأفراح، وكأنّ المدن بقراها، والحواري بطرقاتها، والأحياء بكل معطوف عليها، أسرة واحدة، إذا ما ألمّ في نفس منها كَلَم، جرحت في الكل الأرواح.
وكانت من العادات المترسخة في المجتمع الفلسطيني حرص الجار على مراعاة شعور جاره ومشاركته أفراحه وأحزانه، التي كان يُعتبر الخروج عنها إهانة للميت ولأهله وعائلته، وكانت تتوقف كل مظاهر الفرح في البلدة لمدة أربعين يوماً وخاصة إذا كان الميت شاباً، والامتناع عن لبس الملابس الجديدة، المرأة لا تتزين والرجل لا يتطيب، أما اليوم فإن هذا العادة أخذت تضيق لتقتصر على عائلة الميت.
أم العبد في الستين من عمرها، عاشت على ضفاف الزمن الجميل، وعايشت تقاليد عائلتها، وتشربت الأخلاق ممارسة من أبناء أسرتها، تقدح ذاكرتها لتقارن بين ماضٍ حسن، وحاضر بائس، فتقول :" كنا في الحي كالجسد الواحد إذا مرض فيه شخص، تداعت له باقي أجزاؤه بالسهر والحمى".
تَداعي أم العبد وكل نساء حيّها له أشكال عدة؛ فتقول :" في الأحزان كنا بمجرد علمنا أنّ في أحد منازل الحي مأتم ننطلق إلى بيت العزاء مشاركين وقلوبنا تعتصر ألماً ، ولم نكن نذهب خاليي الوفاض كما هو الحال اليوم.
وتوضح: "كنت أخبز وأطبخ وأعدّ الأرز الأبيض وآخذه معي إلى بيت العزاء، وهكذا كان يفعل كل الجيران طوال أيام العزاء الثلاث ، فيكفي أهل المأتم حزنهم على فقيدهم ونحن كجيران وأقرباء نتكفل بكل ما يتعلق بتقديم الطعام والشراب للمعزين ولأهل المنزل حتى يشتد أزرهم ويكونوا قادرين على تقبل مصابهم بوفاة غالٍ أو عزيز".
لم تعد الحياة كما كانت عليه، كنا نخاف على بعضنا البعض وكان سكان الحي يحترمون مشاعر أهل الحي والقربى ، تتذكر الحاجة أم عبد الله العبادلة 65 عاماً، أن زفافها تأخر عام كامل بسبب وفاة أحد أقارب والدها" وتقول: " ساق الله ع أيام زمان، كنا بنحس ببعض، وكان صحن الطبيخ بيلف عالحارة كلها، اليوم ما بنعرف شيء عن بعض واحنا بنفس الدار".
وتروي أم عبد الله العبادلة أن الناس قبل 40 سنة ويزيد كانوا في الأفراح تُزف العروس مشياً على الأقدام ، وكان سكان الشارع ينتظرونها على الأبواب وكل منهم يحمل معه هدية أو ذبيحة مشاركة للعريس في مصاريف زواجه، واحتفاء بالعروسين، وتنتقد العبادلة تغير أحوال الناس فلم يعودوا يهتموا بالإعلان عن فرحهم بالوليمة كما كان في السابق بل أصبحوا يسرفون في توابع الزفاف دون الاهتمام بالسنن المتعارف عليها".
وتتذكر أم أحمد المجايدة 50 عام فتقول: " حتى سنوات قريبة كانت الناس تاخذ بخاطر بعضها وما كان مسموح نفتح التلفزيون لغاية مرور أربعين يوم ع الوفاة ، اليوم الجنازة والدحية في نفس المكان والتوقيت دون أي مراعاة لمشاعر الآخرين، وتبدي المجايدة أسفها لما آل إليه الحال، ما عاد في بركة لا في الزمن ولا الناس".
وتتابع :" كنا نتجمع حول التلفزيون لمتابعة المسلسل العربي ساعة كل يوم، ساعة كانت تجمع كل افراد الأسرة في حين اليوم كل فرد منعزل بنفسه في زاوية من المنزل له حياته الخاصة واهتماماته الافتراضية ويركز كل اهتمامه بهاتفه النقال وعالمه البعيد، ممكن نكون قاعدين مجموعة كبيرة بالبيت لكن كل حدا عينه بجواله، وبالكاد تسمعي انفاسهم وتعبيرات وجوههم مجهولة السبب".
الحاجة أم عماد البزم لا تنسى الماضي الجميل فتقول:" كنا ناكل كلنا من نفس الصحن، تتجمع كل العيلة بمحبة، وكان صحن الطبيخ يصل لكل الجيران، ما كنا كتار بس كانت بركتنا كتيرة"، وتتذكر الحاجة حليمة طبق " الجريشة" الذي كان مفضّلاً لديها وتنتظره كل عام، كانت تصنعه العائلات الميسورة في شهر البركة، وتقوم بإطعام الأقارب والفقراء.
أطباق وروح محبة تفتقدها الحاجة حليمة اليوم في زمن الوجبات السريعة والعلاقات الاجتماعية الباردة، حسب وصفها.
عادات أصيلة تعود للزمن الجميل الذي ذهب بلا عودة، تبقى صورته بهية تزين ذاكرة أجيال متعاقبة آخرها لا يعرف شيئاً عن ذاك الزمن حيث كان للإنسان قيمته، وللجيرة أصولها.
