يبدو الإسكافي رياض الغندور واثقا من قدرته على تحويل القديم الممزق الى جديد متين بأدوات بسيطة، ماكنة خياطة خاصة، و خيطان ذات جودة عالية يطلق عليها بالعامية "خيطان مصيص" ومخراز، وزردية، وشاكوش، سنديان، قطاعة وزمبة، يقول الغندور الذي يعتبر من أشهر اسكافيي خانيونس بينما يتابع عمله في إصلاح ما أتى عليه الزمن من أحذية أو حقائب مدرسية بحاجة لرتق "لا يعني أن "سحاب خرب، او نعل ذاب ان الحقيبة أو الحذاء سيئ الصنع أو انه مهترئ"، ففي بعض الأحيان تكون البضائع قد تم تخزينها لفترة طويلة، مما يؤدي الى فقدان المواد التي صنعت بها صلاحيتها".
العصر الذهبي
ولا يعتقد محمد الغندور الذي ورث مهنة "الاسكافي عن والده" أن انتعاش عمله مرتبط بالوضع الاقتصادي، وقال الغندور الذي قارب على الخمسين من عمره، "العيلة كبرت والشغل خف" الفترة الذهبية لعملنا كانت أيام السلطة، كان ارتكاز عملنا يقوم بشكل أساسي على حياكة البساطير والجعب العسكرية، كنت احصل في اليوم ما يقارب 300 شيكل، وكان لدي ما يقارب عشر عمال، أما اليوم بالكاد يمكنني أن أحصل ما يقارب 50 شيكل شاملة أيجار المحل ومستلزماته"، وعن أصل مهنة الاسكافي في عائلته يقول" أبعد والدي في عام 67 الى مصر، وبدلاً من التسول عمل اسكافياً وحينما عاد إلى غزة بعد ثلاث أعوام استمر في المهنة الى ان وافته المنية".
ولا يخفي الغندور الابن أن والده رفض بشكل مطلق أن يرث منه ابنه المهنة ويعمل اسكافي، لكنه وبعد عمله في مجال النجارة خمسة اعوام بأكملها لم يحقق لنفسه شيئاً نتيجة جشع أصحاب العمل فضل أن يعود إلى مهنة أبيه، يقول: "اشتريت ماكنة خاصة وبدأت العمل، واجزم ان لا أحد في خانيونس كلها يمكنه ان يتقن عمله كما أفعل".

متاعب المهنة
ما بين شيكل وعشرة يطلب الاسكافي الغندور مقابلاً لعمله الذي يتمثل في خياطة وتصليح الحقائب المدرسية، أو الأحذية سواء الجديدة او المستعملة، وكما كل مهنة لمهنة الاسكافي متاعبها التي تتمثل في زبائن لا يقدرون العمل والحرفية العالية فيه، ويفاصلون كثيرا فيما هو اصلا ليس مكانا للفصال.
يقول وهو يواصل عمله في إصلاح حقيبة مدرسية أحضرتها سيدة "بعض الزبائن أرفض العمل معهم لأنهم متعبين رغم ان احوالهم المادية جيدة، أفضل العمل للطبقة الفقيرة من الطبقة الغنية، ويتذكر الغندور موقفاً مضحاً مع أحد الأغنياء الذي وصفه بأنه شخص ذو مكانة بالمدينة" جاءه بحذاء مهترئ يريد مني إصلاحه، وحينما اخبرته انه لا يحتمل أي محاولة للتصليح، ألح علي بذلك متذرعاً بأن الحذاء عزيز عليه" يضحك الاسكافي الغندور ويتساءل "لو محتاج كان ممكن أتفهم وضعه".
وكما كل نجاح يعزز الاحساس بالسعادة يقول الغندور "أشعر بالفخر حينما اتمكن من تصليح ما أعياه الزمان وأكون سبب في إسعاد طفل أو طفلة يخجل من حمل حقيبة مدرسية ممزقة أو حذاء أكل عليه الدهر وشرب".
بصمة مميزة
ويبدأ نهار عمل الإسكافي الغندور مبكراً ويمتد حتى مغيب الشمس " يقول " أخرج من المنزل بعد صلاة الفجر واستمر حتى آخر النهار، وبيمر عليا ناس اشكال وألون ولكن الوضع بشكل عام ما عاد زي زمان، ويصف الغندور الوضع الحالي للمهنة بأنها تعاني من موت سريري،" الناس صارت بتلاقي الجديد بسعر زهيد بيفضل انه يشتري بدل ما يصلح "
ويتابع "أحلى ما في شغلي إني حر نفسي وما حدا كبير علي والزبون اللي يغلبني بتركه بالمحل وبطلع" ويفخر الغندور بمهنته ومحله الذي فتح بيوت كثيرة وربى أجيال من الابناء والبنات "
وللمكان أهميته في جذب الزبائن، فمنذ ما يزيد عن 22 سنة يستأجر الغندور محل صغير على مدخل السوق، ورغم وجود عشرات الاسكافيين من شباب وكبار حول قلعة خانيونس الا ان الغندور يؤكد ان لكل إسكافي بصمة تميزه عن غيره، يقول " لكل اسكافي حرفية خاصة تجعل الزبون يفضله عن غيره"، ولا يتمنى الغندور لأبنائه الذين بدأوا العمل في نفس مهنته الاستمرار، ليس كرهاً بالمهنة ولكن لأن كل أب يتمنى الافضل لأبنائه، يقول "أنا وافقت يشتغلوا اسكافيين بسبب ضيق الحال، لكن أتمنى تنفتح امامهم الافق ويكون مستقبلهم أفضل".
ويؤكد الغندور ان المهنة باقية ما بقي الإنسان، فعشرات العائلات تعتاش على هذه المهنة، ورغم مردودها البسيط إلا انها تقي العاملين فيها شر الحاجة، وتكفل لهم قوت يومهم في ظل شح الامكانيات وتصلح للمحتاجين ما أفسده الدهر.
