"في الحرب.. أنا أستمع إلى الراديو فقط في الحرب، أشعر أنها الوسيلة الأقرب إلينا وأكثر مصداقية ومتوفرة بجميع الأوقات وعبر أجهزة الجوال ومن مراسل واحد، بخلاف ما نراه على فيسبوك، ولأن التلفاز ليس متاحاً بكل الأوقات بسبب الكهرباء.." إذن، هذه هي الأوقات التي تشعر فيها نداء اسليم 30 عاماً، أنها بحاجة إلى الاستماع إلى الراديو.
"متى تستمعون إلى الراديو؟" سؤال وجّهناه إلى مجموعة من الناس على اختلاف فئاتهم العمرية، بمناسبة اليوم العالمي للراديو والذي يوافق الثالث عشر من فبراير / شباط من كلّ عام، تنوّعت إجاباتهم، ما بين أوقات الحرب وسماعه بشكل يومي صباحاً للاستماع إلى الأخبار، وآخرين لبرامج اجتماعية وشبّان لبرامج مسائية يتبادلون فيها سماع الأغاني وإهدائها معتبرين أنه "الزمن الجميل" الأكثر صدقاً وعفوية – حسب وصفهم -.
وتضيف نداء أنها عادة ما تستيقظ لتتصفح مواقع التواصل الاجتماعي وتقرأ الجديد عليها، وأنها ما إن استمعت إلى الراديو في الأوقات الأخرى، فبالتأكيد سيكون محض صدفة خلال ركوبها أحد سيارات الأجرة أو مرورها عن أحد الأسواق الشعبية الذي يصدح بصوت المذيع "محمد قنيطة يناقش القضايا الاجتماعية عبر أثير إذاعة صوت القدس، والناس بالفعل مندمجة معه" وفقاً لإفادتها.
تمكن الراديو - باعتباره وسيطاً إعلامياً ذا تاريخ طويل - من الاستمرار على قيد الحياة والتأثير منذ بدء أول بث إذاعي في أوائل العشرينيات من القرن الماضي، وحتى حلول عصر المعلوماتية والتكنولوجيا الرقمية، وهو يعد الآن أكثر الوسائط الإعلامية جذباً للمستمعين في أرجاء العالم كافة من حيث وصوله إلى أكبر عدد منهم بحسب ما نقلت "بي بي سي".
وتشير مؤشرات المتابعة والاستماع إلى أن الراديو بكل محطاته، ما يزال وسيلة لها بريقها تبدو وكأنها تتحدى الزمن بتطوره، فما زال الملايين يستمعون للموسيقى والأخبار عبر الراديو، في مناطق مختلفة من العالم، خاصة في المناطق القروية والبدائية، والتي تحتاج إلى وسيلة بسيطة، كما أن الراديو ما يزال يمثل وسيلة إعلامية للملايين، ممن يقودون سياراتهم على الطرق، إذ أنه ما يزال الوسيلة المثالية في السيارات.
ابراهيم حجازي، يبلغ من العمر حوالي 70 عاماً، يقول إنه لا يستغني عن الراديو ولا ليوم واحد، يتابع الأخبار عبر إذاعة "مونتي كارلو" حيث يأخذ "الصافي" منها اعتقاداً منه أنها الأكثر مصداقية، ثم يستمع إلى الأغاني القديمة التي تغذي روحه بخلاف ما تعرضه الإذاعات الأخرى من أغاني وصفها بـ "المايعة" وغير المفهومة، أو الأناشيد الوطنية التي غالباً ما تنذره بأن مصيبة قادمة إلى غزة – حسب وصفه -.
ويضيف "كنت أتابع الراديو منذ كنت شابا صغيراً أعمل في البناء، لا أستطيع العمل إلا وأنا أستمع إليه وليس وحدي كذلك، كل أصحابي كانوا يقدرون قيمته أيضاً، والذي كان يمتلك راديو في منزله في أيام زمان كأنه يمتلك كنز وبالفعل الراديو كنز لا يقدره الشباب الذي ينشغل بالهواتف المحمولة وكل همه التقاط الصور فحسب!".
تشير احصاءات اليونيسكو الى انه في عام 2016 تجاوز عدد مستمعي الإذاعة عدد مشاهدي التلفزيون ومستخدمي الهواتف الذكية وأنه توجد أكثر من 800 محطة إذاعية في البلدان النامية بينما نصف سكان العالم تقريبا (3.9 مليارات شخص) لا يزالون غير قادرين على الاتصال بشبكة الإنترنت.
"في الصباح الباكر بينما أوظب المنزل، أشعر أن الراديو هنا صديقي المسلي" بهذه الكلمات علّقت هدى جعفر 45 عاماً، ربّة منزل تعيش بين 9 أفراد من أسرتها.
تتابع أن زوجها يذهب للعمل صباحاً، والأبناء ما بين المدارس والجامعات، وهي تبقى بمفردها حيث تجد الراديو ونيساً لها، يعبّر عنها من خلال بعض القضايا التي يطرحها المذيعون وتخص الحياة الاجتماعية، يرشدها ويحكي لها بعض التجارب كما يتحدث عن معاناة الناس ويجعلها تشعر بالآخرين.
تعتبر هدى نفسها منعزلة نوعاً ما، غير اجتماعية، إلا أن هذا الأمر يذوب بمجرد أن تفتح الراديو وتعبر إلى عالم آخر، حتى أنها باتت ترسل مشاركتها برسائل قصيرة تصل قيمة الواحدة منها ثلاثة شواكل، معتبرة أنها يمكن أن تعادل ثمن فنجان قهوة في أحد المطاعم، كونها لا تخرج للتنزه.
وأمّا أحمد عباس 17 عاماً، يرى أنه لم يحب الاستماع إلى الراديو إلا مؤخراً للاستفادة من الدروس الخصوصية التي توفرها بعض الإذاعات لطلاب الثانوية العامة، أي بغرض العلم لا التسلية، مجبراً كونها وسيلة بسيطة ولا تكلفه المال ومتوفرة لجميع الطلاب.
ويؤكد أحمد أنه عادة ما يفضل الذهاب إلى تصفح مواقع التواصل الاجتماعي بدلاً من مشاهدة التلفاز أو الاستماع إلى الراديو، حيث يمكنه مشاركة أصدقائه بما يدور في باله، والتقاط الصور ونشرها خاصة أنه يسعد كثيراً حين يكتب له الأصدقاء "منوّر" على صورته!
ويعد الراديو أو المذياع من أهم وسائل الاتصال التي عرفها الانسان منذ قديم الزمان وقد حددت المنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) يوم 13 فبراير/ شباط من كل عام يوماً عالمياً للاحتفال بالراديو، ويرجع ذلك الاختيار إلى اليوم الذي بدأ فيه بث أول إذاعة للأمم المتحدة في عام 1946.
