غزة:
ينعقد في العاصمة البولندية وارسو هذه الأيام مؤتمر "وارسو" الذي دعا له الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بمشاركة أكثر من 70 دولة وبتمثيل منخفض باستثناء الاحتلال الإسرائيلي الذي يمثله رئيس حكومتهم بنيامين نتنياهو، لم ترشح الكثير من المعلومات حول المؤتمر ولكن الشق الأبرز فيه هو ما يتعلق بالجانب الإيراني، إذ يبدو أن الإدارة الأمريكية عازمة على تشكيل حلف في مواجهة إيران.
لكن تسريبات أشارت إلى أن الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، سيكون أحد الملفات المهمة التي سيتناولها المؤتمر، وأن هناك أكثر من احتمال أن يضع وزير الخارجية الأميركي، وغرينبلات المشاركين في صورة «صفقة القرن» الأميركية، مع احتمال إعلانها في المؤتمر، مع أن مصادر أميركية رجّحت الإعلان عن هذه الصفقة بعد ظهور نتائج الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية وفقًا لمقال نشره الكاتب الفلسطيني هاني حبيب.
السلطة الفلسطينية التي تلقت دعوة للمشاركة في المؤتمر رفضت الحضور، وعدّت ما يجري مؤامرة على القضية الفلسطينية، وقال كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات: "فيما يتعلق بتوجيه دعوة لنا، نستطيع القول إنه جرى اتصال اليوم فقط من الجانب البولندي، موقفنا مازال واضحاً: لن نحضر هذا المؤتمر، ونؤكد على أننا لم نُفوض أحداً للحديث باسم فلسطين"، واعتبر عريقات، أن مؤتمر وارسو "يعد محاولة لتجاوز مبادرة السلام العربية، وتدمير المشروع الوطني الفلسطيني".
وترى الباحثة عبير ثابت إن الولايات المتحدة الأمريكية تلجأ إلى عقد مؤتمر منخفض التمثيل وبمستوى وزاري للترويج لصفقة القرن؛ والتي تُعد تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي جزءًا يسيرًا منها، وبرغم أن الدعاية الأمريكية لتلك الصفقة كُرست بالأساس لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلا أنه من الواضح أنها ذات أبعاد أكثر عمقا وشمولية في منطقة الشرق الأوسط من حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وكما ذكرنا في مقالات سابقة أن الهدف الأساس هو إعادة ترتيب الشرق الأوسط طبقا للمصالح الامريكية ولفترة طويلة الأمد.
تضيف ثابت في حديث لنوى أن صفقه القرن بجانبها الاقتصادي هي تكنولوجيا أمريكية تقدمها "إسرائيل" كوسيط مقابل المال العربي والنتيجة تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية بمعزل عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بتشويه مجحفة بحق الفلسطينيين والمشاريع الاقتصادية التي ستنفذ في الضفة الغربية وقطاع غزة بموجب هذه الصفقة لن يمولها بالأساس إلا دول الخليج العربي وهذه المشاريع سواء في الضفة وغزة أو المشاريع المشتركة بين الدول العربية وإسرائيل يراد لها أن تكون بوابة للتطبيع الشعبي بين إسرائيل والشعوب العربية.
مواجهة إيران
بدوره يقول الباحث عزيز المصري لنوى إن وارسو يركز علي كسب حلفاء في أوروبا والشرق الأوسط لمواجهة البرنامج النووي الإيراني والتواجد الإيراني في سوريا وهذا هو الهدف الرئيسي للمؤتمر تحت شعار السلم الدولي .. فلسطينيًا يريد ترامب حشد الدول العربية لتمويل وتسويق خطة السلام الأمريكية أو ما تعرف بصفقة القرن، ولا يقل هذا المؤتمر خطورة عن مؤتمر سايكس بيكو الذي قسّم العالم العربي في مطلع القرن العشرين للتمهيد لولادة "دولة اسرائيل" في العمق العربي.
وأوضح المصري أن السلطة الفلسطينية كان موقفها واضح وصريح من رفض المشاركة في هذا المؤتمر وهو موقف جيد .. فالإدارة الأمريكية أثبتت انحيازها للاحتلال وأصبحت جزءًا من المشكلة وليست طرفًا في الحل، بالتالي لن يعود على القضية الفلسطينية بأي انجازات ايجابية، بل إن السلطة مقبلة على أزمة اقتصادية بسبب الإجراءات الأمريكية ضدها، أما المطلوب فلسطينيًا فهو توحيد الصف الفلسطيني وإنهاء الانقسام وتجديد الشرعيات الدستورية، فالرفض وحده ليس كافيًا دون جبهة وطنية موحدة.
وأكد المصري أن المؤتمر يدعم الشق الاقتصادي لصفقة القرن، قائلًا:"الهدف من جولة واتصالات كوشنر مع الدول العربية وخاصة الخليجية هو محاولة تأمين الدعم المالي لخطة السلام الأمريكية وهذا طُرح قبل عام ونصف ومنذ ذلك التاريخ والإدارة الامريكية تسعي لتحقيق هذا الهدف، التأمين الاقتصادي للصفقة، وهو ما قد يشكل تحديًا كبير للسلطة الفلسطينية في ظل تخفيف مصادر تمويلها أمريكيًا والتهديد الإسرائيلي بوقف تحويل أموال المقاصة للسلطة".
في مقال له يرى الكاتب والمحلل السياسي هاني حبيب إن دعوة عدة دول عربية، من بينها مصر والإمارات والبحرين والسعودية والأردن والمغرب، للمشاركة في أعمال المؤتمر الذي قال عنه غرينبلات إنه ليس للمفاوضات ولكن للنقاشات، تُجسد الأهداف الحقيقية وراء مثل هذه الدعوة إذا ما علمنا أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، سيكون من أبرز المشاركين في هذا المؤتمر، وعليه من المرجّح، بل بات من المؤكد، أن أحد أهداف هذا المؤتمر، إجراء حوارات ثنائية وربما جماعية بين نتنياهو، وممثلي الدول العربية المشاركة في المؤتمر، ما يشكل انتقالة بالغة الخطورة في ملف التطبيع وانقلاباً منظماً على "المبادرة العربي"، ويأتي في سياق الاستهدافات الأميركية من وراء عقد مؤتمر وارسو التقدم خطوة أساسية نحو إقامة ما يسمى بحلف ناتو عربي ـ إسرائيلي، يهدف إلى محاصرة إيران من جهة، وتصفية القضية الفلسطينية وتكريس الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين وسورية ولبنان، وإيجاد حاضنة عربية لصفقة القرن الأميركية.
ويضيف :"لولا انصياع بعض الزعامات العربية للإرادة الأميركية في ظل إدارة ترامب، لما أمكن للبيت الأبيض أن يعلن عن زيارة سيقوم بها كبير مستشاري البيت الأبيض غاريد كوشنر، ومبعوثه للتسوية في الشرق الأوسط جيسون غرينبلات، إلى خمس دول عربية، سلطنة عمان والبحرين والسعودية والإمارات وقطر، أواخر الشهر الجاري، أي بعد أيام من عقد مؤتمر وارسو، وذلك، وحسب البيت الابيض، لاطلاع قادة هذه الدول على الشق الاقتصادي من «صفقة القرن»، بهدف دعم هذه الصفقة، وكأنما هناك إشارة واضحة الى أن الشق السياسي، الذي تم تداوله بمباحثات ثنائية، من خلال الاجتماعات والمراسلات الدبلوماسية، إضافة إلى النقاشات التي من المفترض أن تجري في مؤتمر وارسو، قد حسمت هذا الشق، أي الشق السياسي، وأن الأمر يتطلب تفاهمات حول الدعم المادي في سياق الشق الاقتصادي لـ»صفقة القرن»، من قبل هذه الدول".
