كيف يعيش شبابنا المهاجر في مخيمات اليونان!
تاريخ النشر : 2019-01-25 09:17

غزة:

في الوقت الذين يزداد فيه عدد اللاجئين الفلسطينيين والعرب الواصلين إلى الجزر اليونانية عبر البحر الأبيض المتوسط قادمين من تركيا؛ تتناقص الخدمات والمساعدات المقدمة لهم وتقلّ فرصهم في الحصول على إقامة هناك ما يهدد المغامرة التي أقدموا عليها بالفشل، وتجعل أوضاعهم المعيشية والإنسانية سيئة، علاوة على خطر التعرّض للغرق قبل الوصول كما حدث مع الشاب الفلسطيني حسام أبو سيدو قبل ستة أيام.

يقول المحامي علي جبريل، وهو أحد الشباب الناجين من قارب الموت قبل أسبوع ويعيش الآن في جزيرة ليروس اليونانية المطلة على بحر إيجة :"نحن نعيش حاليًا في خيام وكرفانات بها كهرباء وانترنت 20 جيجا لكل ألف شخص، نتواصل مع عائلاتنا، الوضع ليس جيد ولكنّا نحاول أن نتأقلم، ذُهلت حين رأيت هنا عددًا كبيرًا من شباب قطاع غزة، وغالبيتهم من أصحاب الشهادات".

جزيرة ليروس اليونانية، هي واحدة من 150 جزيرة يقبل عليها السياح من محبي الثقافة اليونانية لما تضمّه من آثار ومشاهد طبيعية خلّابة يزيد من بهائها الجمال الطبيعي للجبال، إلا أنها كما غيرها من الجزر تضم مخيمات إيواء للشباب الهاربين من جحيم الفقر والتقلبات السياسية في بلدانهم، وبات غالبيتهم من العرب، يهاجرون بقوارب من تركيا صوب خمس جزر هي ليسبوس وخيوس وساموس وليروس وكوس.

وبعدما عزف المحامي الشاب عن دراسة الماجستير في مصر بسبب ارتفاع الرسوم، يسعى للحصول مع الوقت على حق اللجوء والسفر إلى بلجيكا من أجل تأسيس حياة أفضل بعد فقدان الأمل في تحقيق إنجاز في قطاع غزة بسبب الحصار والفقر والبطالة والانقسام، إذ ارتفعت نسبة البطالة إلى نحو 47% بينما زادت نسبة الفقر على 65%، ما جعل أفق التنمية ضيقًا أمام الشباب.

وازدادت في السنوات الأخيرة ظاهرة هجرة الشباب من قطاع غزة إلى الدول الأوربية بحثًا عن فرص عمل، ما جعلهم على الدوام عرضة للنصب من المهربين الأتراك أو سواحل مصر كما حدث مع سفينة أكتوبر 2014 التي فُقد بسببها عشرات الفلسطينيين.

ويضيف جبريل :"الرسالة التي أريد إيصالها للناس أنه رغم الظروف الصعبة التي نعيشها ولم نتعوّد عليها لكن لا يفكر أحد في العودة، صحيح نشتاق لأهلنا ولوطننا، والغربة صعبة، ولكن فقدنا كرامتنا وإنسانيتنا في وطننا وذهبنا نبحث عنها في مكان آخر، لذلك لا تلوموا الشباب، أنا شخصيًا لم أفكر في الهجرة مسبقًا، ولم أتوقع أن أكون في هكذا مكان، وكنت أسخر من الشباب الذين يهاجرون عبر البحر، ولكن في النهاية وجدت أنه لا مفر ويجب أن أغامر من أجل المستقبل".

وكان الاتحاد الأوروبي عقد اتفاق اللاجئين مع تركيا في آذار/مارس 2016 وينص على إعادة جميع اللاجئين الذين يصلون جزر شرق إيجة إلى تركيا إذا لم يحصلوا على لجوء في اليونان وبقائهم في هذه الجزر طالما لم يبت في طلب اللجوء، ولعل هذا ما شجّع الشبان على مواصلة الهجرة إلى هناك.

وما زال عليّ يذكر تفاصيل تلك الليلة التي فقدوا فيها زميلهم شهيد البحر والهجرة حسام أبو سيدو، حين دفع كل منهم 550 دولارًا نظير الهجرة من مدينة أزمير التركية، وأجبرهم المهربون على حمل 40 شخصًا لمركب لا يتحمل أكبر من 15 شخصًا، كان بينهم أطفال ونساء ومسنين، وكيف غدروا بهم وتركوهم في عرض البحر وغادروا دون أن يعرف أي منهم السباحة أو قيادة المركب، حتى عثر عليهم الجيش اليوناني وقدم لهم بعض المساعدات الطبية ومن ثم نقل الناجين إلى هذه المخيمات.

شاب آخر من غزة يعيش في المخيم ذاته منذ شهرين يقول :"نحو 95% ممن يتواجدون في هذا المخيم فلسطينيون شباب معظمهم كانت حياتهم جيدة في غزة، لكن السنوات الأخيرة كانت قاسية جدا عليهم، أنا خرّيج ووجدت من جامعتي بالصدفة ما لا يقل عن 12 شابًا، وللعلم وصل إلى الجزيرة يوم الثلاثاء أيضًا بلم –أي قارب مطاطي- كله شباب فلسطينيين، فلا يظن أحد أنه بعد وفاة الشاب حسام ستتوقف الهجرة، بالعكس ما زالت مستمرة".

حسب الشاب فإن المهربين يقولون أن هناك بلمات –قوارب مطاطية-ما زالت بالانتظار كل مركب يحمل 40 شخصًا رغم أنه مخصص فقط لـ15 فقط، وهذا ينطبق على ست جزر أخرى فيها مخيمات للاجئين في اليونان هي متليني وكوس وكيوس وساموس ورودس وليروس، كلها يتواجد فيها فلسطينيين.

ويوضح الشاب إنه حين وصل كانت ظروف المخيم –كامب- معقولة نسبيًا، كل كرفان يضم ما بين 7-10 أشخاص، ولكن مع زيادة عدد البلمات-القوارب- التي تصل إلى المخيم ازداد العدد عن 13 شخصًا، وأصبحت ضيقة جدًا، حتى إن بعض الشباب يبيتون على الأرض، وهناك من ينامون في الخيام وبين الكرفانات.

لكن الشاب الذي ينتظر فرصة من أجل تقديم إجراءات اللجوء إلى أوروبا، طلب عدم ذكر اسمه كي لا يصدم أهله بالحال الذي يعانيه، هو يجزم بأنه يتحمل كل هذا من أجل مستقبل أفضل، لكن أهله في غزة لن يتقبلوا، لهذا هو وغيره من الشباب لا يتحدثون مع ذويهم إلا خارج المخيم.

ويوضح الشاب العشريني إن هناك مخيمات تعمل منظمات دولية وخيرية على تقديم مساعدات لهم، ولكن انخفضت المساعدات بشكل كبير بسبب زيادة أعداد المهاجرين، وأصبح الحال أسوأ، فكل منهم يكتفي براتب لاجئ قدره 90 دولارًا بالكاد يكفي طعامه فقط، دون أي دور للسفارات بما فيها السفارة الفلسطينية، مضيفًا:"عن أي سفارات تسألون-شوفوا شبابنا كيف في شوارع أثينا".

ويؤكد الشاب إن الوضع يكون أسوأ عند هطول الأمطار، من ينامون في الخيام يعانوا من البرد الشديد، خاصة في ظل زيادة الأعداد فحين وصل كان العدد 1000 وحاليًا قرابة 2000 شخص، لكنه لا يفكر مطلقًا في العودة إلى غزة، فقلة فرص العمل جعلت التفكير بذلك ضربًا من الخيال.

من جانبها قالت ندى نبيل المتحدثة باسم المرصد الأورمتوسطي لحقوق الإنسان، والذي يتابع قضايا اللاجئين من كل الشرق الأوسط، إن ما يعاني منه الشباب في مراكز الاحتجاز سواء في اليونان أو السويد ظروف صعبة ويواجهون مشاكل في قلة وجبات الطعام المقدمة لهم، وغالبًا يواجهون مشكلة المماطلة في إجراءات اللجوء فيضطرون للبقاء في هذه الظروف لفترات طويلة.

لكن الأخطر حسب المتحدثة هو تزايد أعداد الغرقى حيث وصل عام 2018 إلى 2262 غريقًا، وهو نفس العديد تقريبًا في العام 2017، والسبب هو أن اتفاقية اللاجئين التي عقدها الاتحاد الاوروبي عام 2016 حظرت التعاون مع المهاجرين وإنقاذ الغرقى.

وأضافت :"على سبيل المثال أطباء بلا حدود كان لديهم سفينة إنقاذ وكانت هناك سفن ألمانية مثل سي ووتش تابعة لمنظمة إغاثية، تم حظر عملها، وتم تحويل موظفين في هذه المنظمات للتحقيق على خلفية تعاونهم في إنقاذ مهاجرين تعرضوا للغرق".

وتابعت إن دولًا مثل إيطاليا عقدت اتفاقية مع خفر السواحل الليبي أن يقوم هو بالإنقاذ وهذا زاد عدد الغرقى لأن خفر السواحل لا يملك إمكانيات إنقاذ ومعدّات الاتصال لديهم سيئة، وحتى من يتم إرجاعهم إلى ليبيا يوضعوا في مراكز احتجاز يتعرضوا فيها للتعذيب والمعاملة غير الإنسانية.

إن الشبان الفلسطينيين الذين يضطرون للرحيل عن وطنهم بسبب الظروف المعيشية القاهرة والتي بات من الصعب عليهم احتمالها، تقع مسؤوليتهم على عاتق أرباب الانقسام وقادته ممن داسوا مستقبلٍ ظل الشباب لسنوات يقولون إنه قد يتحسن، ولكن التشبث بمفردات الانقسام جعل الشباب يثقون أنه ليس هناك من أمل سوى الرحيل، فهل يعي الساسة ما فعلوه!!