غزة:
كان الصمت مخيماً على علاء والمحكّمين الخمس يستمعون بشغف للنغم الذي شنّف آذانهم وأمتعها، تنحنح علاء وقال: "صوته رائع وعذب.. لقد أدّى الملالاة بشكل جميل، رد صديقه: ولكنه أخطأ في نهاية النَّهرة، خالفه الآخر بحدّة: الخطأ في آخرها مغفور لو كان في وسط النهرة لكان لي رأي آخر".
جلسة التحكيم تلك لم تكن لمغنٍ أو لشخص موسيقي بل كانت لعصفور الحسون الذي تم تدريبه على الغناء لمدة ثمانية أشهر، وجاء الوقت لتقييم غناءه في جلسة مخصصة أُحضر اليها "أهل اللغة" من الذين يتقنون لغة الحسون ويدربون عليها، (نوى) التقت بأحد المحكمين في التقرير التالي:
علاء الوحيدي ( 42 عاما) من حي الدرج في مدينة غزة، رجل يمتلك القليل من الأصدقاء لكنه يصادق عدداً كبيراً من العصافير التي يقضي جُل وقته معهم كهواية، ولا يكتفي بأن يستمتع بسماع تغريدهم فقط بل يقوم بتعليمهم كيفية التغريد الصحيح، حيث يحضر سمّاعة مسجلاً عليها لغة الحسون ويبدأ بتلقينهم التغريد الصحيح في عمر صغير، عصفوراَ عصفوراَ حتى يتقنوا جميعهم نفس التغريد، وكأنه مايسترو لأوركسترا فنية، حتى أصبح يزوره الكثير ليعلم عصافيرهم الغناء على تلك الطريقة.

في مساحة 50 متر اقتطعها من الطابق الثالث في منزله أفردها علاء لصنع ما يشبه محمية منزلية للحسون، ومساحة لجلسة هادئة تم توضيبها لينهل منها خزان فرح وسعادة لا تنضب، فما أن تصل بابه حتى يلفح وجهك هواءا ساخنا هاربا من موقد أشعله قبالة قفص كبير تتسلل خارجه أصوات عذبة من عدد من العصافير التي تطير بداخله تارة، وتعشش على أغصان شجرة تارة أخرى، تلك المحمية الصغيرة تم تهيئتها بأشجار (الكينيا، والقريص والديدونيا) وأحواض الماء؛ لمحاكاة الطبيعة لتلك العصافير التي قاربت على الانقراض من مدينة غزة نظراً لانحسار المساحات الخضراء، والأشجار التي يعيش عليها الحسون.
يخبرنا بحفاوة: "لقد عرفت العصافير بأشكالها لكنني وقعت بحب الحسون نظرا لأنك لن تجد من يغني بحسنه، فتغريدة على شكل زقزقات عذبة ورقيقة، فيها رخامة رائعة، فلشدة جمال صوته أصبح هذا الطائر هدفاً للصيادين والمشترين".
كأستاذ قضى عمراً في التدريب يصنّف علاء العصافير حسب نسبة الذكاء، فمنهم الذكي الذي يسهل تعليمه اللغة، ومنهم الأقل ذكاء الذي مهما تعلمه سيظل يخطئ اللحن، ويُميّز درجة ذكاءه منذ شهوره الثلاث الأولى حين يبدأ العصفور بالنطق، ويضيف: "مراحل الكلام لدى الحسون أربعة وهي التكاريم: أي تحاضير للغناء، والنّهرة وهي أساس الكلام للحسون "لبلبة قصيرة ، وملالاة طويلة ثم يختم بسرياه"، إضافة للمرحلة الثالثة وهي السّرة، والرابعة هي التشاكيل.
وأوضح أن السماع للحسون بالنسبة للأشخاص الذين يفهمون بالنغم يشبه الإدمان، فقد يتراوح سعره لأجل غناءه ما بين (1000_5000 دولار)، فالبعض قد باع ذهب زوجته ليشتري عصفورت، وهناك من بادل سيارته بعصفور الحسون، منوهاً: "إذا أخطأ العصفور في ترتيب اللحن أو حتى إن أضاف حرفين كـ"طز" في نصف النهرة، فهذا كفيل بخفض مستواه كثيراً بل قد يؤثر بأن يخفض نصف السعر تقريباً".
ويروي علاء عن أصل هذه اللغة والألحان فيقول: "لكل بلد يعيش فيه الحسون لغة مختلفة لكن الحسون البلدي تعود لغته لما يقارب ستون عاما، حين اصطاد رجل من قطاع غزة يدعى أبو خليل طائر الحسون، وعلى الرغم من اعتياده سماع التغريد إلا أن هذا العصفور أسر قلب كل من سمع تغريده فقد كان "بيسرَ وبيشكِّل وبيلالي بشكل حلو"، فبدأ تمييز اللحن الخاص بالعصفور وبدأ التسجيل له وتدريب غيره من الحساسين على تلك الألحان حتى حفظ هذه اللغة قليلاً من الأشخاص وتداولوها وظلوا يدربونها .
ستّة وعشرون عاماً مرّت على شغف علاء بتربية الحساسين وتدريبهم على اللحن، حتى أصبح لشدة ولعه بهم يستطيع أن يفهمهم أكثر مما قد يفهم البشر فيقول: "لا أقدِرُ أن أشرح لكِ ما لا يقال بالكلام بل بالخبرة والعِشرة، فأنا أدرك من النظرة الأولى إن كان عصفوري جائعا أو مريضا أو حزينا أو سعيدا".
حين لمح اندهاشنا، هز رأسه ليقطع الحيرة التي بدت على وجوهنا وأضاف: "لقد ربيت عصفوراً كطفل من أطفالي، لم أحبسه في قفص كان متروكاً في المنزل يطير فيه ويحوم يأكل من يدي ويشرب من قبضتي لم يختر سماءً سوى سقف المنزل، رآه أحدهم وأعجب بصوته كثيراً لكن في اليوم التالي توقف عصفوري عن الغناء و مرّ بوعكة صحية، فأحضرت له الدواء وجلبت له راقياً ليرقيه لكن قدر الله كان نافذا "تنهد علاء، ثم قال: "كان موته أصعب ما مرً عليّ ..لم أفقد عصفورا بل جزءًا مني فبكيت عليه".

لوهلة يخيل إليك أن الحسون طفل متنكر بزي عصفور لشدة تعلقه بصاحبه، إذ يذكر علاء أنه تخلى عن عصفور له يجيد الغناء لصديق وحين وصل العصفور منزل صديقه توقف عن الغناء تماماً لمدة عامين ولم ينطق بحرف، حتى اضطر صديقه إلى بيعه لشخص آخر من محبي عصافير الحسون، وصادف علاء أن التقى بهذا العصفور بعد خمس سنوات وما أن رآه حتى تعرف عليه وبدأ بالرفرفة والغناء .
يضيف علاء: "أن السحر الذي ينثره الحسون على أسماعنا يجعلنا نتنافس على تدريب عصافيرنا حتى يتباهى أحدنا بأن لديه انتصارات صغيرة شبيهة بمعجزة أن يشدو الحسون باللغة السليمة، فيقيم احتفالات وعزائم بمناسبة إتقان عصفوره للتغريد، مشيراً إلى أن صديقه قد أولم على خروفين ذبحهما احتفاءً بعصفوره الذي أنهى تدريبه من الغناء، وغدا يترنم بالنهرة والتشكيلة والتكاريم على شكل يثير الإعجاب.
يطمح علاء أن يأتي اليوم الذي يفك الحصار عن مدينة غزة وعن عصفوره ليطير خارج القطاع ويشارك في معارض خارجية تقام لعصافير الحسون خصيصاً.
