محبوبات الأسرى.. موعدٌ مع الحرية والطرحة البيضاء
تاريخ النشر : 2019-01-19 09:27

غزّة:

"مجنونة! كيف تربطين مستقبلِك بمستقبلِ أسيرٍ في قبضة محتلٍّ إسرائيليّ؟! أنتِ حقًا بلا عقل، باللهِ لا تفعليها يا نُسيبة، فأنتِ تلقين عُمرك في مهبّ الرّيح".

في ساحة إحدى مدارس جباليا الثانوية شمال القطاع، لم تتوقّف الطالبة آية الدريني عن لوم صديقتِها نُسَيبة فُنْقَه حين استشارَتْها في أمر شابٍ طلب يدَها من خلف القضبان.

إلا أن نُسيبة هذه المرة لم تُبالِ برأي صديقتِها، فهي التي اعتادت أن تدعو الله في صلاتِها أن يجعل نصيبَها مخطوبةً لأسير، تقول نُسيبة لـ"نوى": "كان ذلك بالنسبة لي حلمًا وفخرًا، حتى استجاب الله لدعائي".

حُبّ طفوليّ

 منذ طفولة نُسيبة كان برنامج "على جناح الطير" مقدّسًا لها، والذي يرسل فيه الأهالي رسائلهم الصوتية للأسرى في السجون ويبوحون بشوقهم الكبير.

تروي نُسيبة لـ"نوى": "بعض الأسئلة مثل: "كيف حالك يا بابا"، "بابا انت الهوا اللي بتنفسه"، كلمات اهتزّ لها بدني فتعلّقَت روحي بتلك الفئة المظلومة من الناس".

كبُرت نُسيبة ودخلت المرحلة الثانوية، وبدأ الحُبّ يعزف على أوتار قلبِها لحنًا حنونًا، لم تتلمّسه في ابنِ العمّ ولا الخال ولا ابن الجيران، إنها نُسيماتٌ ناعمة تناديها من خلف القضبان فأم الأسير صلاح أبو صلاح تأتي زيارة لبيتها وتطلب يدها لابنها المحكوم عليه بالسجن مدة 15 عامًا.

جلست نُسيبةُ التي لم تتجاوز الصف العاشر منكمشةً في زاوية الكنبة، وكلها شغفٌ خجولٌ لمعرفة الأسير صلاح، حتى ناولتها أمُّه صورةً له، تعبّر مبتسمة: "لقد شغفني حُبّا من نظرة واحدة".

فرح الخطوبة

"أنا بتشرف تكوني زوجة لي يا نُسيبة.." دقّ جرس الجوال فردّت بسرعة "سقطت دموعي بغزارة، تملّكتني الفرحةُ وبمجرّد أن أقفل الهاتف، رحتُ أنطّ كما الأطفال".

ومنذ ذلك اليوم اختلفت الحياةُ بنظر نُسيبة، "أن أكون مخطوبةً لأسير يعني أنني ملكتُ الدنيا، حتى وإن كنت سأنتظر خروجه بعد 9 سنوات".

وكان صلاح قد أمضى "8" سنوات في الأسر قبل خطوبته حتى جاءها الخبر المؤلم، فقد اختلس مكالمةً هاتفيةً مع نُسيبة عبر هاتف مُهرّب، فاكتشف السجّان ذلك الاتصال، وأوقع به العقوبة.

جنَّ جنون نسيبة لكنها لم تملك إلا أن تُطمئنه وتخبره أن طول البعد لن ينزع حبها، وأنها بانتظاره.

 كانت نُسيبة تروي حكاياها مع صلاح لصديقتِها آية الدريني، التي تجنّبت الحديث مع "نُسيبة" لمدة أسبوعٍ بعد اتّخاذها قرار خطوبتها من أسير، دون الالتفات لرأيها الرافض تمامًا، فقد كانت تُحبّها وتخشى عليها من تلك الخطوة المجهولة بنظرها – وفق قولِها- ولكن سرعان ما عادت إليها وتمنّت لها التوفيق.

تقول آية لـ "نوى": "لم تملّ نسيبة من أن تحدثني عن تفاصيل ما يدور في السجن نقلا عن خطيبها، حتى بتُّ أسألها عن صلاح وظروف الأسرى إذا سَهَت مرّة".

هَمُّ الدراسة والخطوبة

وتضيف:" في نفس الوقت كان يعرف صلاح أنني صديقة نُسيبة المقربة، ليكتشف فيما بعد أن ابن عمّي تامر الدريني المحكوم بالسجن "20 عامًا" أسيرٌ في نفس الغرفة بل وصديق مقرّب له، ويا للصدفة، كان هو الآخر ينوي البحث عن عروس".

لم تكن آية التي تعاني من فوبيا الامتحانات تحبذ زواج الأقارب، ولم تكن تتخيّل لحظة أن تتزوج من أسير، وكانت حينها في الثانوية العامة، تُعبّر ضاحكةً: "طول الوقت أدرس وأبكي".

أما بخصوص ابن عمّها فهي لم تعرف عنه شيئًا غير أنه مجاهدٌ خلف قضبان الاحتلال، وربما كان يحملها حين كانت في الكوفلية، وها هو يتصل على أهلِها ويطلب يدها.

أكَلَتها الحيرة، هل أرفضه؟ هل هذا هو ردي تجاه من يدافع عن أرضه وأهلها؟ كانت تحادث نفسَها طويلًا، حتى اتّخذت القرار رغم العيون الكثيرة الرافضة من حولِها خاصة أنه ما تزال أمامه "8" سنوات لينهي فترة حكمه.

وماذا بعد؟ تمرّ الأيام ويتعلّق قلب آية بتامر، تقول: "تامر لم يستسلم لمرارة السجن بل يتفنّن في الترفيه عن نفسه والخروج من واقع السجن، إنه شخصية متّزنة مثقفة ومنظمة، ويحمل الكثير من الصفات المحببة التي يفتقدها الكثيرون من الشباب الذين لم يتعرضوا لتجربة الاعتقال، وهذا ما زادني به تعلقًا، ويكفيني أنه حفظ كتاب الله في السّجن".

في الهوا سوا

واليوم كما هو حال نُسيبة بات حالُ صديقتِها العزيزة آية التي تعبّر: "أنا وإياها في الهوا سوا"، عشقنا وتعذبنا بسبب البعد والحرمان، واختلاس المكالمات، وعقبات الزيارات من سجن الريمون إلى الهاشارون إلى النقب وغيرها، لكن فرج الله واسعٌ وقريب، إننا بانتظار الحرية وبدلة الزفاف".

الحال نفسُه يتكرّر مع  روان المطوّق مخطوبة الأسير معاذ المطوّق التي تقول: "لقد سيطر الأسرى على السجّان وإن كانوا خلف قضبانهم، فخطيبي المحكوم 12 عامًا، حفظ القرآن الكريم، ودرس الثانوية العامة والجامعة، إنه يُسيّر يومَه على أكمل وجه".

وتتمنى روان لكل فتاةً غزيّة شرف الارتباط بأسير، موضحةً أن إحدى أهم رسائلها للمحتلّ بتلك الخطوبة كانت "هيهات أن تُحبطوا أسرانا أو تضعفوهم أو تنزعوهم من قلوبنا"، لكنها لا تتمنى الحرقة التي تعيشها لإحداهنّ " إنه بنظري بطل، لكن البُعد حرمان حقيقي".

وتكمل:" لكنني على موعد مع الفرح مطلع عام 2020 ، سيخرج معاذ ونقيم حفل زفافنا، فيا ليت 2019 يمرّ سريعًا".