غزة-نوى:
ما أن بدأت أخبار اتفاق المصالحة بين حركتي فتح وحماس تلوح في الافق حتى بدأ عبد الكريم محمد، وهو موظف عسكري في السلطة الوطنية الفلسطينية باستعادة أحلامه التي خبأها في أعماقه منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، والتزامه بقرار السلطة الوطنية التوقف عن العمل لحين صدور تعليمات أخرى.
توجه إلى خياط قريب ليقوم بتفصيل بدلة عسكرية جديدة تليق بجسده الذي أصابه النحول بعد سنوات من الانقطاع القسري عن العمل، أحلام عبد الكريم الذي لم يتجاوز 35 عاماً بالعودة للعمل في جهازه العسكري، وما يصاحبه من تفاصيل حياتية، اختفت لسنوات الانقطاع عن العمل لم تستمر طويلاً، ليستيقظ على خبر إحالة أوراقه والآلاف من موظفي السلطة الوطنية الفلسطينية الى التقاعد المبكر، أمر لم يستوعبه هو أو غيره من الموظفين العسكريين خاصة من ذوي الرتب الصغيرة والذين كانوا ينتظرون إتمام المصالحة الوطنية لتسوية اوضاعهم الوظيفية، ليفاجئوا بأنهم كانوا كبش الفداء لإنجاح هذه المصالحة وفق ما يبرر البعض.
مجزرة حقيقية
معدة التقرير ومن خلال عدة لقاءات أجرتها مع موظفين تمت إحالتهم للتقاعد علمت أنهم حصلوا على درجات علمية عليا ولم يتم تسوية أوضاعهم أو منحهم الرتبة العسكرية المستحقة وفق سنوات خدمتهم وما يحملون من شهادات.
وبسؤال أكثر من موظف عن موقفهم من القرار أكدوا أن ما حدث مجزرة حقيقية بحقهم وحق أسرهم وغير مقبولة، خاصة أنهم في ريعان شبابهم وفي حاجة ملحة للعمل، وأنهم كانوا ينتظرون استعادة ما استقطع من رواتبهم لتسوية أوضاعهم الاقتصادية، ليأتي التقاعد الإجباري وينسف كل أحلامهم وطموحاتهم.
يذكر ان السلطة الوطنية الفلسطينية قامت بفرض اجراءات عقابية بحق قطاع غزة، طالت موظفيها في القطاع بدءاً بخصم المواصلات وعلاوات القيادة والريادة ،مروراً بخصم 30% من رواتب الموظفين.
وتوقع الموظفون وعائلاتهم ان يتم إنهاء الاجراءات العقابية التي طالتهم بدعوى الضغط على حركة حماس في قطاع غزة، بمجرد إلغاء اللجنة الادراية، لتأتي الضربة القاتلة بإحالة ما يقارب 14 ألف موظف عسكري على دفعتين.
وعلمت معدة التقرير من موظفين عسكريين أنهم فوجئوا بقرار إحالتهم للتقاعد عندما توجهوا إلى البنوك لاستلام رواتبهم الشهرية ولم يتم إبلاغهم به عبر القنوات الإدارية الخاصة بأجهزتهم الأمنية، وحمل الموظفين الادارة والتنظيم المسؤولية الكاملة عن هذه الكشوفات.
شبكة "نوى" توجهت للمجلس التشريعي المؤسسة التشريعية الأولى التي يجب أن تمر من خلالها القوانين والقرارات في محاولة لمعرفة موقف المجلس التشريعي من هذا الإجراء ودوره في ظل اتخاذ قرارات أو إصدار قوانين استثنائية.
قرار مجحف
الدكتور حسن خريشة النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي حمل المسؤولية الكاملة للرئيس محمود عباس ومستشاريه الذين يشيرون عليه بإجراءات عقابية ويصورون له أن هذه الإجراءات فعالة وقادرة على استعادة قطاع غزة للشرعية، ولم يبرئ خريشة أي من القوى السياسية في هذه الجريمة بحق الموظفين معتبراً انهم يفكرون وفق مصالحهم الخاصة.
وعن مسؤولية المجلس التشريعي تجاه هذه القرارات المجحفة بحق الموظفين ألقى خريشة بالكرة في ملعب الرئيس وحركتي فتح وحماس مؤكدا ان المجلس التشريعي تم تغييبه بشكل متعمد بداية من قبل الاحتلال، ثم بتوافق فلسطيني غير مكتوب، فأغلبية أعضاء المجلس التشريعي هم من حركتي فتح وحماس والطرفين غير معنيين بتفعيل دوره في هذا الوقت، "هم بانتظار تمرير بعض الإجراءات من ضمنها قانون التقاعد المبكر".
وقال خريشة: "القانون أعطى الرئيس أبو مازن شرعية إصدار قوانين في الحالات غير قابلة للتأجيل وللأسف معظم القوانين التي تم إقرارها من قبل الرئيس يمكن أن تؤجل وليست ضرورية ومنها القرار بقانون الخاص بالتقاعد المبكر".
وذهب خريشة إلى اتهام طرفي المصالحة بتجاهل تفعيل المجلس التشريعي أو الحديث عنه معتبرًا ذلك جزء من خطة لتمرير مخطط إحالة موظفي السلطة الى التقاعد، وذكر خريشة أن المجس التشريعي وبمجرد انعقاده يجب أن تعرض عليه كافة القوانين او القرارات التي تم إقرارها وقت تعطيله، وأنه من الطبيعي آن ذاك أن يتم رفض هذا القانون أو على الأقل التعديل عليها بما يتلاءم مع الالتزامات الفلسطينية بحقوق الانسان معتبرا أن قانون التقاعد المبكر هو أكثر القوانين مخالفة لحقوق الإنسان
وتنص المادة السابعة من قرار بقانون على أنه يحق "للقائد الاعلى لقوى الأمن بتنسيب من الوزير المختص وتوصية لجنة الضباط أن يحيل على التقاعد المبكر أي منتسب من قوى الأمن الفلسطينية تنطبق عليه أحكام هذا القرار بقانون وتنطبق عليه باقي الشروط للحصول على الراتب التقاعدي وفقاً للقانون" ، وهي المادة التي اعتمد عليها منفذو القرار في إحالة موظفي السلطة الوطنية العسكريين للتقاعد.
معدة التقرير حاولت على مدار أيام الاتصال بالسيد ماجد الحلو رئيس هيئة التقاعد لمساءلته حول المعايير التي تم من خلالها اختيار كشوفات المتقاعدين ومبررات السلطة لتنفيذ هذا القرار بقانون، لكن لم يتم الرد برغم إرسال رسالة توضح الهدف من الاتصال، ولم يرد سوى بكلمة "برجعلك" وعلى مدار يومين تاليين حاولت التواصل الا انه لم يرد .
ومن خلال متابعة معدة التقرير لوسائل الإعلام شاهدت لقاء تلفزيوني تم اجراءه مع رئيس هيئة التقاعد ماجد الحلو دافع خلاله عن القرار وقال إن هذا القرار بقانون حمل امتيازات وليس عقوبات، وأنه يمنح المتقاعد 70% من متوسط اخر ثلاث سنوات، وحسب قانون التقاعد يحصل على 2% عن كل سنة، وبالتالي لم يكن بالإمكان أن يحصل على هذه النسبة حتى لو أكمل 30 سنة خدمة.
وفي تبريره للتعسف في إحالة الموظفين للتقاعد قال الحلو "هذا الأمر الهدف منه الإصلاح ولذلك قمنا بدفع ضعف راتبه لكي يعيش بشكل أفضل وتابع "سيصرف لهم ما خصم عنهم 6% من مستحقات مساهمات محددة وهذا امتياز كان معلق حتى الوصول لسن 60، الآن يصرف بشكل مباشر للمتقاعد".
جريمة قانونية
الحقوقي صلاح عبد العاطي قال لـ "نوى" ما ورد على لسان رئيس هيئة التقاعد ليس صحيحا بالمطلق وأن يجري بحق موظفي قطاع غزة جريمة قانونية مستمرة ، لافتاً ان هذا القرار خالف القانون الاساسي و قانون التقاعد العام وقانون الخدمة في قوى الامن وقانون الخدمة المدنية"
وأوضح عبد العاطي ان هذه القوانين وضعت حدود واضحة لتقاعد الموظفين، وتابع" اجمالا التقاعد المبكر هو تقاعد استثنائي وليس في المعيار العادي ويتم في حالات محددة أوجزها القانون في مادتين " بناء على طلب الموظف وبعد وافقة مجلس الوزراء، او حينما يعجز الموظف عن اداء وظيفته وفي هذه الحالة يحق للموظف التظلم باللجوء للقضاء.
وأكد عبد العاطي ان ما يجري هو في سياق سلسلة العقوبات المستمرة التي اتخذت بحق قطاع غزة ، والتي خفضت من فاتورة الرواتب الخاصة بقطاع غزة بالتالي قلصت من فاتورة التزامات السلطة تجاه مواطنيها في قطاع غزة
وقال عبد العاطي "ان القانون اعطى الرئيس امكانية اتخاذ قرارات وسن قوانين في ظروف استثنائية، في ظل غياب المجلس التشريعي ولكن يجب الا تتعارض هذه القوانين مع القانون الاساسي والمعايير الدولية لحقوق الانسان وبالتالي حتى لو حملت هذه القرارات بعض المزايا هذا لا يعطيها شرعية"
وأكد عبد العاطي انه بإمكان الموظفين المتضررين والذي تمت احالتهم للتقاعد الاجباري مقاضاة الحكومة، كما يجب ان يتم محاسبة المسؤولين عن اتخاذ هذا القرار.
اللجوء للقضاء
وتنص المادة 32 من القانون الأساسي الفلسطيني على "كل اعتداء على أي من الحريات الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للإنسان وغيرها مـن الحقوق والحريات العامة التي يكفلها القانون الأساسي أو القانون، جريمة لا تـسقط الـدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وتضمن السلطة الوطنية تعويضا عادلا لمـن وقـع عليه الضرر".
واعتبر موظف ينتمي لحركة فتح لم يذكر اسمه ان ما حدث استهدف بشكل أساسي أبناء حركة فتح في قطاع غزة ، وكإنما يعاقبون على اتباعهم تعليمات السلطة التي يترأسها قائد حركة فتح، وطالب الموظف المحال للتقاعد دون تسوية أي من اوضاعه خاصة ان له رتبة مستحقة وتسوية لأوضاعه وفق شهادته الجامعية ، حيث أنهى الماجستير خلال سنوات المكوث القسري في المنزل حركته باتخاذ موقف واضح إزاء هذه الاجراءات التي طالت بشكل أساسي موظفي السلطة من حركة فتح .
ويبلغ عدد الموظفين الذين يتقاضون رواتب شهرية من السلطة في قطاع غزة 58 ألف موظفا، يشكل العسكريون 74% منهم، بعدد يبلغ 43.764 عسكريا، وفق إحصائيات حديثة.
