القدس – (خاص) نوى – نهيل أبو غيث: سألني أحدهم - وأنا تائهة بين الأزقة أبحث عن العنوان - ماذا تريدين من تلك العائلة؟ قلت: مقابلة الصغيرة.
فقال لي: إن لم يكن قلبكِ قويا فأنصحك أن لا تكملي طريقك، فلن تستطيعي النظر إليها.
سألته: ألهذه الدرجة؟ أجاب: وأكثر.
واصلت المسير بين أزقة المخيم إلى أن وصلت البيت المنشود، كانت عجوز تجلس في الفناء، هي جدة تالا التي استقبلتني ريثما تحضر تالا برفقة أبيها -الذي ترك عمله منذ الحادث، ويرافق ابنته يوميا منذ ساعات الصباح الباكر حتى انتهاء اليوم، فزوجته كانت حاملا وترعى صغيرها الذي لم يكمل سنته الأولى بعد - كانت الجدة تحدثني بدموعها التي بللت ثوبها كيف كانت تالا جميلة قبل الحادث، تتدفق منها الحيوية.
عندما وصلت تالا البيت قالت لي بإصرار أحسست بالحزن في ثناياه: "ما بدي أحكي عن الحادث".
كيف أرسل والدا تالا طفلتهما في ظل الطقس السيء للرحلة:
عن ليلة الحادث، تحدث والد تالا: لقد كان موعد الرحلة يوم الثلاثاء، وتم التأجيل ليوم الخميس لسوء الطقس ولكنه بقي على حاله، فأخبرت تالا بأنني لا أرغب بذهابها، ولكنها بدأت بالبكاء الشديد، وبعد تفكير قررت ووالدتها إرسالها معتقدين أن إدارة المدرسة ستؤجل الرحلة من تلقاء نفسها وحينها لن تغضب تالا كثيرا فالأمر سيكون سواء على جميع الطلبة.
كيف بدأت حكاية الآلام:
"بعتت تالا على الرحلة" اتصل والدي يسألني، أجبته بنعم، فبدأ بالبكاء وأقفل الهاتف دون أن يقول شيئا، ذهبت فورا للمدرسة، وأنا في الطريق اتصلت بوالدي فقال لي: "في حادث بباص المدرسة وكل الي بالباص ميتين"، وعندما وصلت المدرسة أخبروني بأن أبناءنا بخير ولم يصبهم مكروه. كنت حينها بين أمرَّين؛ أولهما أن أطمئن على ابنتي وثانيهما زوجتي الحامل التي تركتها في البيت دون أن تعلم شيئا، فاتصلت بأهلها كي يذهب أحدهم ليكون معها حين تلقيها الخبر.
تتدخل "أم وسام" والدة تالا قائلة: لم يخبرني أحد عن الحادث، وتفاجأت بزوجي الذي خرج مسرعا دون أن يقول شيئا، فتحت التلفاز ورأيت المحطات تتناول خبر الحادث المفجع، الذي أفقدني صوابي.
ويكمل محمد البحري - أبو وسام، "والد تالا"، من مخيم شعفاط - : لم يقنعني كلامهم بأن ابنتي بخير، فأردت أن أرى ذلك بعيني، ذهبت والآباء الآخرين لمكان الحادث، لكن الأطفال كانوا منقولين للمشافي, وعندما رأيت الحافلة المشتعلة بالنيران، لم أتمالك نفسي وسقطت على الأرض، إذ شعرت بالعجز، لا أستطيع التفكير أو حتى التصرف.
ذهبت لمستشفى رام الله الحكومي، وعندما رأيت الأطفال المصابين شعرت بأني سأفقد عقلي، بحثت في المشفى ست مرات عن تالا ولكن دون جدوى، وسمعت أن بعض الأطفال تم نقلهم لمشفى هداسا، فذهبت لمشفى هداسا العيسوية، ولم يطلب مني أي تفتيش أو حاجز عسكري هويتي أو حتى تصريح دخول، إذ أن كل الحواجز كانت مفتوحة لهول الحادث.
تقول أم وسام: لحقت به، ولكنهم أخبرونا بأن هنالك ثلاث حالات خطرة (طفلتين وطفل) تم نقلهم لهداسا عين كارم، وفي اللحظة التي وصلنا، كان هنالك الكثير من ذوي الأطفال المشاركين برحلة المدرسة، فأجلسونا جميعا في قاعة كبيرة، وجاء بروفيسور وقال لنا: لدينا ثلاث حالات لا نعرف من هم أو من أين، سنقوم بتصوير ملابسهم كي تتعرفوا عليهم.
وفي هذه الأثناء وردني اتصالات كثيرة من المدرسة يخبروني بأن ابنتي بخير وقد أرسلوها للبيت، وكنت أتصل على عائلتي الذين بدورهم أنكروا ذلك، قال والد تالا.
ويكمل، أحضروا الصور وبدأوا بعرضها، تعرفنا على (جاكيت) تالا وملابسها الأخرى، وصحبنا الأطباء ليشرحوا لنا وضع تالا التي كانت حينها في العناية المكثفة، ومهدوا لنا بأن شكلها سيكون مختلفا،.وعند رؤيتها كان رأسها ويداها منتفخان ولا تشبه نفسها.
عرفناها من ساقيها، قالت أم تالا، إذ أن رأسها لا يشبهها بشيء ويداها محروقتين ومنتفختين، وشعرت أنهما غريبتين علي، ولكي يتأكدوا أكثر بأنها ابنتنا قاموا بإجراء فحوصات (DNA).
بعدها بدأت قصة المعاناة كما قال والد تالا.
قصة المعاناة:
بقينا مدة أسبوع أنا وزوجتي نأتي المشفى بشكل يومي، طيلة ساعات النهار والليل حتى الساعة الثانية صباحا، وبعدها قدمت المشفى لنا غرفة خاصة للإقامة ليلا نهارا، ما خفف عبء الذهاب والإياب والمصروفات يوميا.
أبقى الأطباء تالا تحت تاثير المخدر مدة أربعة أشهر متتالية دون أن تصحو حتى يخف ألمها، وبعدها أصبح الأطباء يوقظونها ساعة ويعيدونها للنوم ساعة أخرى حتى يتخلص جسدها من المخدر.
النيران أحرقت وجهها ورأسها ووصلت للجمجمة، الأمر الذي أقلق الأطباء في أن تكون خلايا الدماغ قد تأثرت ولكن اتضح أنها بخير فيما بعد.
الخوف الذي رافقهم طوال فترة عدم وعيها هو عينيها، إذ قال الأطباء: نعتقد بأنها فقدت البصر وهذا أمر لا نستطيع التأكد منه قبل أن نوقظها.
عندما استيقظت تالا لم تكن ترى بشكل واضح ولكن مع مرور الوقت استطاعت الرؤية جيدا وكانت عينها اليسرى ضعيفة.
أُجري لـ تالا حتى اليوم (23) عملية جراحية في محاولة لترميم الوجه الذي احترق جلده وماتت خلاياه، فأصبحوا يعوضونها بجلد تارة من الساقين وتارة أخرى من الظهر.
هي ليست عمليات تجملية وإنما علاجية، حيث أصيب الجهاز التنفسي لدى تالا بالسوء بسبب استنشاقها دخان النيران الحارقة، لذا تحتاج جهاز تنفس ليلا موصولا بأنبوب داخل الرقبة، بالإضافة إلى أنفها الذي خضع لعمليات كثيرة وعينيها التي لم تكن تستطع إقفالهما.
تحتاج مرافقا معها يساعدها على القيام بكل ما تحتاجه كالأكل وغيره، وأيضا لمراقبتها فأي حركة خاطئة أو تعثر يهدد وضعها الصحي ويهدد العمليات التي أُجريت لها، ويُحظر على تالا الخروج إذ أن الشمس تؤذي جلدها، ولكنها ترفض ولا تمتثل لأوامر الأطباء؛ فهي طفلة كل ما تريده أن تلهو بدميتها وخارج البيت كباقي الأطفال.
أنفق والدها من نفقته الخاصة الكثير على الأجهزة التي احتاجتها تالا كـ مشد الوجه الذي كُلفته (32) ألف شيكل والشعر المستعار الجديد (2500) دولار وغيرها الكثير.
كيف رأت تالا نفسها بعد أن استعادت وعيها:
" ماما، شوفي الدكاترة كيف بحطولي أشياء (قذرة) ع جسمي"، في البداية لم تدرك تالا أن ما تراه قاذورات هو عبارة عن جلدها الذي التهمته النيران ولم تبقي منه الكثير.
كيف خرجت تالا من الحافلة:
تالا تتذكر القليل وتقول لوالدها: كنت أجلس على آخر مقعد في الباص، ولا أعرف ماذا حدث بعدها، كنت على أرض الحافلة والجميع يدوس رأسي.
بعد الحادث، جاء شاب ليطمئن على تالا وقال لذويها: لقد حاولت كثيرا كسر زجاج الحافلة لكن دون جدوى كأنه من البلاستيك، ولكني استطعت بالنهاية الدخول وإخراج تالا.
المجتمع وتالا:
وبحسب والد تالا، المجتمع لم يتقبلها ولم يحاول استيعاب ما حدث معها، والكثيرون يخافون منها، والبعض يطلق عليها اسم (المحروقة) ما يثير حزنها، لكنها لا تحاول إخفاء نفسها أو تخجل من ذنب لم تقترفه، وإنما تواصل محاولة الاندماج والتفاعل في مجتمعها حال جميع الأطفال.
وعن سائق شاحنة أنابيب الغاز التي ارتطمت بحافلة الطلاب قال أبى وسام: لم يحاول الاتصال بنا أو إرسال أحد للحديث معنا إلا بعد ستة أشهر من الحادث، لم يزرنا أي مسؤول في البيت إلا إدارة المدرسة التي زارتنا بعد تسعة أشهر لأن أهالي الضحايا قاموا بإغلاق المدرسة ومحاولة كسر نوافذها.
تالا إلى أين؟
تالا التي تحمل الهوية (الاسرائيلية) لأن والدتها المقدسية كذلك، ساعدها الأمر في أن تحصل على العلاج المجاني من قبل التأمين الإسرائيلي، بدأت تمل العمليات وآلامها وتصبح شخصا آخر ذو مزاج سيء بعد كل عملية، فيقنعها والداها بأن هذه العمليات تحاول إصلاح ما تلف من وجهها ليمنحاها بعض الأمل، وتقوم والدتها بعرض صور حالات مشابهة على طفلتها عبر الانترنت لترى بأنها ليست الوحيدة في هذا العالم التي احترق جسدها، ولا تذهب تالا للمدرسة لأنها تحتاج العلاج اليومي في المشفى طيلة ساعات النهار.
ما زالت تالا بحاجة لـ (98) عملية جراحية، ولا يعرف الأطباء كيف سيكون حال جسدها عندما تكبر؟ هل سيقل نظرها؟ هل سيؤول جسدها لحال أسوأ؟ أسئلة لم يستطيعوا الإجابة عنها حتى الآن.
وعن هذا الأمر يقول والدها: نفكر كثيرا بمستقبلها الذي يقلقنا، هل ستتقبل شكلها المغاير عن أشكال الفتيات الأخريات في مثل عمرها آنذاك، هل ستطرح العديد من الأسئلة والتي منها "ليش أنا غير"، كيف ستتقبل فكرة عدم محاولة وضع القليل من مواد التجميل كالآخريات خاصة في مقتبل عمرها بعد اجتياز سنوات الطفولة؟
يوجه محمد البحري "والد تالا" كلمة للمسؤولين من خلال "شبكة نوى":
أطالب بمحاسبة كل من أهمل ضحايا جبع، وكل من تسبب بالحادث من مؤسسات أو أشخاص، فالباص موديل (85) لا يصلح لنقل الأطفال، إضافة لـ ( 49) طالبا وطالبة مقابل ثلاث معلمات، والجو كان عاصفا لاصطحاب الأطفال بعيدا عن المدرسة، وتأخرت فرق الإنقاذ والإسعاف لأنه لا يوجد طواقم إنقاذ في بلدة الرام، وأطالب دعما ماديا مؤازرا لأهالي الضحايا إلى حين اعتراف شركة التأمين الفلسطينية بالحادث، فالأطفال المتضررين يحتاجون الكثير من الأجهزة التي نقوم بشرائها على نفقتنا الخاصة إذ تكلف آلاف الدولارات، عدا عن وجودي الدائم مع تالا الذي يمنعني من العمل.
يذكر أن حادث جبع الذي فجعت القدس لحدوثه، وقع إثر اصطدام شاحنة قاطرة محملة بأنابيب الغاز وحافلة تقل طلبة روضة نور الهدى من عناتا، التي كانت متجهة لمدينة الألعاب برام الله، في يوم ضبابي وماطر صباح يوم الخميس (16-2- 2012).
أسفر الحادث عن إصابات وجثث متفحمة، إذ توفي أكثر من خمسة أطفال ومعلمة والعديد من الجرحى الذين أصيب بعضهم بتشوهات وإعاقات دائمة وآخرون أجسادهم سليمة ولكن سيطرت عليهم الصدمة النفسية، وإلى الآن لم يُحدد المسؤولين عن الحادث، ولم يتم تعويض الضحايا وذويهم، ولم تبت المحاكم إلى الآن في قضية الحادث.
