هذه الثقافة الكيدية...!
تاريخ النشر : 2013-05-16 14:39

يسود شعور عام بأنه قد يكون من الأفضل لكل من يحاول العمل أو تأسيس عمل ثقافي أو سياسي في بلادنا، وليكن ما يكون، أن يتوقف عن العمل وعن القيام بواجبه لكي يتقي الانتقادات والتخوينات وصنوف التشكيك التي سوف تتدافع لكي تجعل من أي بادرة صغيرة أو كبيرة بمثابة فعل خيانة عظمى. وتواصل هذه الثقافة الكيدية في مجتمعنا الزحف والانتشار لتصبح مثل الفطريات الشريرة التي تلِّوث كل ما حولها. وهي توالي تمددها بحيث تصير أسوأ وأشد ضرراً من بقعة نفط تلوث المحيطات والبحار، وهي تنتشر باطراد دون أن يتوقف أي كان لمناقشتها أو البحث في سبل التخلص منها. 
هذا ما يجري تماماً. وعلى كل فلسطيني يحاول أن يقوم بأي عمل يظنه إيجابياً، أو يوجه تعليقه البناء على عمل آخر، أو أن يؤسس مبادرة لتشجيع أي مؤسسة أو متحف، فعليه قبلاً أن يحضر نفسه لكي تنهال عليه اللعنات والبهدلات والاتهامات. وعليه أن يعرف أنه سيبدو كأنه المسؤول شخصياً عن كل النكبات التي حاقت بالشعب الفلسطيني عبر تاريخه. ذلك، لأن الثقافة الكيدية ثقافة بائسة تميل إلى شخصنة الأمور، وتكبيرها، وإلصاقها بالشخص المراد النيل منه بمنطق أو غير منطق. 
ويحضر كيف تنهال الاتهامات على شخصية وطنية ورسمية محاولة أن تلصق بها مسؤولية تدني إيرادات الاقتصاد الفلسطيني في عصر تهتز فيه دول بكاملها جراء الصعوبات الاقتصادية، وكأن الوضع الاقتصادي الفلسطيني كان بأحسن حال وأهدأ بال لولا وجود هذه الشخصية في موقع المسؤولية.
وفي هذه الثقافة الكيدية يردد البعض الكذبة حتى يصدقها جمع أكبر، وتظل التخرصات طالعة ونازلة حتى تصل إلى جمع أكبر وأكبر، وتستحيل عندها كل الأفعال والتعليقات إلى مرتبة العبث الأعظم.
وحينما تبادر أية شخصية سياسية عامة إلى الإعراب عن تأييدها للشاب محمد عساف المغني الفلسطيني في برنامج المسابقة الفنية التي يخوضها، فنحن نرى آلاف التشنيعات والاتهامات بالخيانة الوطنية، هكذا "حاف" ومن دون ذكر أنواع التخرصات والتندرات والتعليقات التي تجعل من المواطن مجرد ميكروفون يردد اتهامات اعتاد على ترديدها لكي "يفش خلقه" مهما حملت من اتهامات باطلة و"قلة أدب" أحياناً، وتجاوز لطبيعة الوقائع.
ففي مجتمع محكوم بالإحباط الذي رسمه احتلال عدو لا يرحم، ووسط انتصارات الجميعات غير الحكومية في إرساء أجور غير منطقية تفوق الدخل العام بدرجات، وفي ظل وجود كادر وظيفي بيروقراطي ضخم لا يقوم بمهماته المفترضة في أحيان كثيرة، يقوم الجميع بانتقاد الجميع وبث الكره العام والحساسيات المختلقة. ويساهم الوضع الصعب في غياب أفق لحلول سياسية واقتصادية في تعزيز ظاهرة "فش الخلق" والاغتياب والنميمة بديلاً عن مواجهة الواقع والتعامل معه. كما أن دور بعض الفصائل التي تعمل على بث التذمر والنقد وحدهما دون أن تقوم بأي دور فعلي أو واقعي على الأرض، خصوصاً مع الشباب، للمساهمة في إصلاح الأوضاع العامة، أو تفعيل الطاقة الإيجابية لتخفيف آثار الاحتلال والاستيطان، يزيد من توتر الأوضاع، ومن توجيه الناس لتفريغ الغضب والإحباط عبر إيذاء الغير وتشويههم كلامياً. وبهذا يتحول الكلام الكاذب إلى واسطة مزيفة لرفع ضغط الواقع الثقيل الذي يهيمن على أناس فقدوا البوصلة وظنوا أن فنون الشتم والتشويه سوف تصلح مآلهم في الحياة. 
والحل؟!
كثيراً ما أتساءل وأنا أطّلع على الردح والقدح والذم إن كان أصحاب هذه الطريقة الكيدية قد فكروا يوماً في غرس شجرة أو اصطحاب أولادهم لتنظيف شوارع الحي الذي يعيشون فيه.
وأنا متأكدة من أنهم لا يوفرون طاقتهم إلا للكلام فقط، والكلام القبيح.. وحده، بعيداً عن أي عمل مثمر أو إنتاج ضروري يساعدنا على الإحساس بأن فلسطين لنا جميعاً، وأنها ليست لهؤلاء الثرثارين الذين لا يتفوقون إلا في بث الشكوك وتوجيه الاتهامات لكل ما عداهم.