إذا أردنا الحديث عن ذكرى النكبة بطريقة تعكس الإحساس بالمسؤولية الوطنية لما جرى لشعبنا قبل أكثر من ستة عقود ونصف علينا أن نغادر المساحة التي تحولت إلى ميدان "احتفالي" نحو ميدان جديد.
إحياء ذكرى النكبة على طريقة أعياد الميلاد، وعلى طريقة احتفالات الانطلاقات والبقاء هناك وفي ذات المساحة والميدان على مدار تتالي السنوات والعقود ليس مؤشراً على حالة صحية بالضرورة.
خمسة وستون عاماً مرّت ظل شعبنا يحيي هذه الذكرى كعنوان للتمسك بحقوقه وأهدافه الوطنية وكعنوان على وحدته في صيانة الهوية الوطنية وحماية مشروعه التحرّري. أي أنه بقدر ما كان يحيي شعبنا ذكرى النكبة بالتلازم مع عمله المثابر باتجاه تطوير وحدته وباتجاه خلق أدواته الكفاحية وتوطيد وتعزيز مكانته في مواجهة المشروع الصهيوني فإنه (أي الشعب الفلسطيني) كان يزاوج في الواقع ما بين ماضيه الذي حلت خلاله النكبة وحاضره الذي هو التجسيد المعاش والمعاناة التي ترتبت عليها وما بين ما يطمح له ويصبو إليه في المستقبل.
إن معادلة الربط البطولي بين الماضي والحاضر والمستقبل هو معيار تحول إحياء الذكرى من نوستلجية إلى حالة كفاحية، وهو معيار الانتقال الفعّال من التذكّر إلى التفكّر.
إذا أمعنا النظر اليوم في الواقع الوطني فإن إحياء الذكرى الخامسة والستين للنكبة ليس بمستوى الأخطار المحدقة بالمشروع الوطني.
حالة الانقسام ليست مجرّد حادثة أليمة في التاريخ الفلسطيني المعاش. وهي ليست مجرد خلاف أو اختلاف سياسي أو غيره وهي أخطر من انشقاق أو حتى تصدع أو ثغرة في جدار الصمود الوطني.
حالة الانقسام القائمة اليوم أخطر وأبعد وأعمق من هذا كله. حالة الانقسام في أحد أهم تعريفاتها هي تلك الحالة التي حوّلت الخلاف والاختلاف الطبيعي والموضوعي في الإطار الوطني الجامع من حالة تعايشية إلى حالة تدميرية، ومن حالة صحية في بعض المظاهر والتجليات إلى حالة مرضية قاتلة، ومن حالة سياسية إلى حالة اجتماعية وثقافية، ومن حالة فصل جغرافي قسري إلى حالة انفصال جغرافي وسياسي ذاتي.
بمعنى آخر تحولت حالة الانقسام من "تمزيق" و"تشتيت" مفروض من الاحتلال ووسيلة من وسائله إلى مصالح وأهداف ذاتية وبأدوات فلسطينية وأصبح الانقسام حالة "موضوعية" في مواجهة الوحدة وفي مواجهة الهوية وفي مواجهة المشروع الوطني التحرري للشعب الفلسطيني. هذه هي المعالم الرئيسية للنكبة المتجددة وهذه هي المرحلة الفاصلة ما بين النكبة القديمة والنكبة الجديدة.
إحياء ذكرى النكبة القديمة بدون التلازم التام مع أدوات تصفية واقع الانقسام القائم اليوم تحوِّل هذا الإحياء إلى حالة انفصامية بل وربما إلى ما هو أبعد من ذلك.
حالة الانقسام اليوم تتكرس ليس فقط من خلال المراوغة والمماطلة والتسويف في اتخاذ الخطوات الجادة باتجاه إنهاء الانقسام وإنما ـ وهذا هو الأخطر والأهمّ ـ من خلال سنّ القوانين واستقبال الأمراء والرؤساء والمشايخ والعلماء، بل والتطاول على وحدة وشرعية ووحدانية التمثيل وهي تتجسّد اليوم في القرارات والسياسات والتعليمات التي تحوّل الوحدة أو إعادة الوحدة إلى نوع من المستحيل أو تحويل الوحدة أو إعادة الوحدة ليس أكثر من تكريس (متفق عليه) للانفصال التام من الناحية الواقعية.
والسؤال الذي يدور في عقل الشعب الفلسطيني اليوم ليس سؤال إنهاء الانقسام (إذ لم يعد يصدق أن إنهاء الانقسام ما زال ممكناً) وإنما سؤال الكيفية التي من خلالها يمكن أن "نحافظ" على درجة من الانسجام الوطني توازي نفس الدرجة من الانقسام الوطني.
بمعنى آخر نحن نبحث اليوم عن حلول انقسامية من حيث الجوهر لإنهاء انقسام يضرب جوهر أهداف وحقوق الشعب الفلسطيني، وعن حلول تتساوق من حيث الجوهر مع المشروع الصهيوني وتتناقض بصورة جوهرية مع المصالح الوطنية الفلسطينية.
والمفارقة المفزعة والانفصام القائم هو أننا لم نعد ندرك، أو أننا لم نعد ننتبه بما يكفي من ضرورة الانتباه إلى أن النكبة الجديدة أصبحت وتحولت إلى أداة (شرعية) لتصفية الحقوق الوطنية التي ترتبت على كل تضحيات شعبنا في مواجهة تبعات النكبة القديمة.
أي أن الانقسام في الواقع القائم اليوم هو المدخل الإسرائيلي المباشر لتصفية القضية الفلسطينية وهي الوسيلة الإسرائيلية الأنجع لإنجاز الحلم الصهيوني في تحويل أهداف وحقوق الشعب الفلسطيني من حقوق وأهداف وطنية جامعة وشاملة وكذلك عن هوية وطنية تحررية واحدة إلى مكاسب محلية أو مناطقية واحتياجات اقتصادية واجتماعية لتجمعات فلسطينية مختلفة ومنقسمة ومتناحرة إذا أمكن، وإلى هويات دينية أو اجتماعية أو حتى سياسية متناقضة أو متعارضة.
إن معيار الفعالية لإحياء ذكرى النكبة الأولى هو ـ في هذه المرحلة ـ درجة الضغوط التي يجب أن يقوم بها الشعب في مواجهة أخطار النكبة الثانية. وشعبنا في نهاية المطاف الذي اجترح المعجزات في مواجهة ما ترتّب على النكبة الأولى سيتمكن من تصفية ركائز النكبة الثانية وأخطارها وقبل أن يتمكن الانقساميون من هويتنا وحقوقنا وأهدافنا وقبل أن يدفنوا تضحيات شعبنا. المهم أن لا ندفع ثمناً أكبر من الثمن الذي دفعناه في النكبة الأولى لإنهاء النكبة الثانية.
النكبة المتجدّدة
تاريخ النشر : 2013-05-16 14:37
