في يوم مولده .. محمود درويش ليس عابر ذكرى
تاريخ النشر : 2017-03-15 14:19

 ترى نفسك شاعراً مختلفاً عندما تجلس أمام شجرة اللوز في أذار وهي ترصد احتمالاتك ببياض أزهارها ، وتصبح مختلفاً بعمق عندما تفتح ديوان شعر لمحمود درويش ، ساعة غروب لا شرود فيها ، ليطير كنجمٍ في فضاء روحك ، يبعث فيك جمال كل الاحتمالات التي جعلتك آخر في هذه اللحظة ، وعلى بوابة من فضة يستدرجك غير عابرٍ فيك ، الى الحياة التي تستحقها . في كل يوم لعام مرصع بالثالث عشر من أذار ، تفتح "البروة" ذراعيها لعصافير الجليل ، وتجري السهول نحو حمامها اللازوردي ، بعد أن تخلع معطفها الشتوي ، أو تكاد ، لترتدي قميص الذكرى لميلاد أبنها الشاعر محمود درويش ، الذي حول القرية المدمرة ، من مجرد أسم الى وطن كبير ، ولو كان جريحاً ونازفاً بحراب المحتل ، وهذا يوم لقابلة لا يعرف لها أسم ، ولأم تغلبت على مخاضها بفرح الذكر القادم ، ليفرح شعبٌ بأكمله في ميلاده بعد حين ، وليغضب المغتصب على شاهد إبداعي وأدبي ليس له سلاح لمواجهته ، سوى الغدر والسجن والنفي . محمود درويش الشاعر والانسان الذي ولد في عام 1941 ، قرب ساحل عكا ، ولدته أمه لريح حملته في عام النكبة الى تلال من ثلج في لبنان ، وتحت خيمة وقرب وتد مصاب بفاجعة اللجوء ، لعبت قدماه العاريتان في طين وحصى الانتظار ،سنة كاملة وهو يشرد بين حبال الخيام وتحت شمس الغربة ، حتى هدنة مسروقة مع الغاصب ، لتأخذ عائلته قرارها الشجاع بالتسلل والعودة الى الوطن حيث الحصان الذي يؤنس البيت من الفراغ ، الحصان الذي بقي ظلاً لجدار بيت مهدم في قرية لم تعد غير سفاح التراب للتراب ، فأضطرت عائلته الاقامة في قرية أخرى أسمها "الجديدة" ومن صباه حتى شبابه ، خرج من أكمام غير وارفة ، يحمل كراسه وأحلامه ليتعلم لغة أجداده ، بمشية رشيقة ، وإصرار واضح على كتابة أسمه في أعلى الصفحة الأولى ، ليسجله عربياً وبرقم بطاقة نزوحه ، الشاهد على أنه صاحب الارض ، المطرود منها . ودرويش الغير مستسلم لألة الدمار ، وصور قريته الغارقة في الردم ، واصل بدم الشباب ، سيرته ليدخل حزباً مختلفاً يؤمن بإنسانية الانسان وقدر الصاحب لأرضه ، الحزب المتاح له فكراً ونضالاً ، فكان عضواً في الحزب الشيوعي الاسرائيلي ، ومارس فيه قناعاته كصحفي شاب ، يجري خلف أنهار الحق ، ولا يترك شجرة لوطنه غير أن ألقى عليها السلام ، فكانت صحيفة "الاتحاد" الناطقة باسم الحزب الشيوعي ، مرماه الأدبي والإبداعي الأول في مسيرته المبتدأ ، ومنها لصحيفة "الفجر" عرف المحتل في الشاب ما يخشاه منه ، فأعتقله كسجين سياسي ، في عام 1961م ، ولم يفك السجان أزرار حريته إلا في عام 1972م ، لينطلق بعيداً عن الوطن المسلوب ، ويدخل الاتحاد السوفيتي ، لإستكمال دراسته ، ومن هناك الى القاهرة عابراً ممرات الصقيع الى افريقيا الحارة ، ولكن ليس بقدر حرارة ما يصول ويجول في صدره ، فذهب الى عنوانه النضالي ، ليصبح عضواً في منظمة التحرير الفلسطينية ، ومنها شق طريقه الى علم البلاغة والأدب ، مؤسساً مجلة الكرمل ، التي لازالت تصدح بعطره ، وتسرج خيوله التي لا تمت ، فالقصائد خيول لشاعر صاحب قضية ، وليتربع درويش على قمة الرصد العليا للأدب المقاوم. محمود درويش عرف الوطن كلمة لا تجزأ ، عاش على وليد تشبثه بوحدة الأرض ، فرفض اتفاقية "أوسلو" كما رفض الانخراط في العمل السياسي كعضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وظل حارساً أدبياً لميراث أجداده الكامل والغير منقوص ، ولو في قصيدة ، ومقالة . وعن مشواره الأدبي قبل أفول شمس عمره الجسدي ، يكون لمحمود درويش أكثر من خمس وثلاثين ديوان شعر ، ومئات المقالات الأدبية والحوارية واللقاءات الأذاعية والتلفزيونية ، وهذا التعميق ليس بالكم ولكن بالتميز الذي خطّه أدبياً فكان شاعراً استثنائياً ، لشعب صاحب قضية عادلة . مولد محمود درويش ليس ذكرى عابرة ، بعد حياة عامرة قضاها شاعراً وفيلسوفاً وكاتباً حمل وطناً غير منقوص في صدره ، قبل أن يحمله شبر من وطنه الجريح ، بل هي سيرة وطن ولد من قرية تشرب من نهرها لتكبر فيها المآذن واجراس الكنائس ، وتصبح ريتا العاشقة ، أجمل الزهرات في بستان أغتصبه أولادها . ولأنه محمود درويش في الميلاد لا ذكرى للموت فيه .