حوار – محمد السمهوري:
رحل الفنان الفلسطيني محمود طه ( 1942-2017 )، الذي حول القضية الفلسطينية الى اعمال تحاكي وجع وهم الفلسطيني، تاركا خلفه رصيد من الاعمال الخزفية لافتة ومهمة، تؤكد على ابداعه والتصاقه بوطنه وحلم العودة، هذا حوار نشر في وقت سابق مع الراحل محمود طه.
.......................
منذ عام 1968 نذر الفنان والخزاف الفلسطيني المعروف محمود طه نفسه واعماله للقضية الفلسطينية، راصدا مختلف الاحداث التي عصفت بالقضية والشعب في اعماله الخزفية، طين فلسطين مجبول بالخط والرموز، محولا الطين فخار، والفخار عملا فنيا شاهدا بصريا يروي جوهر الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي، حكاية شعب باكماله توثق على خزف، وخزف يقف شاهدا لا يموت امام ناظره.
يعد الفنان محمود طه من رواد الفن التشكيلي الاردني والفلسطيني معا، فقد شكل مع مجموعة من الفنانين سياق حياتي وبصري، واسس لحالة ابداعية له، حيث يعد من اهم وابرز الخزافين العرب بل والعالميين، فهو كما قال في هذا الحوار غير قادر على الخروج من قضيته الاساسية فلسطين، فمجمل اعماله موشومه بالرمز الفلسطيني، او بالاحداث المتسارعة التي تمر وتجبل بالدم الفلسطيني.
وبعيدا عن المباشرة سجل محمود طه دلالاته المحملة بالرموز التاريخية، حيث الفن يحمي القضية بمعناها الجمالي والبصري، ذهب الى ضمائر وصيغ المختلفة التي تمثل الشعب والتاريخ الفلسطيني ببعده الانساني والثقافي، واعاد تشكيل المباشر منها ليعطي للعمل الفن لغته الجمالية البصرية ذات المعاني والدلالات الهامة، هو سالفنان يحمل قضيته وشعبه ويرتقي بهما معا.
وفي مواجهة التلفيق يقف العمل الفني الابداعي مدافعا بكل ما أوتي من قوة وهنا يقول الفنان الخزاف محمود طه "الفكر الصهيوني قائم على التزوير والتلفيق والجشع، لقد بدأت اناقش وافكك الفكر الصهيوني من خلال اعمالي الحديثة التي انجزها وخاصة منذ 5 سنوات، وهذا يتطلب مني متابعة الاثر الثقافي والتاريخي الكنعاني، فقصة هيكل سليمان عبارة عن خرافة لا وجود لها في الحقيقة ولا حتى في المنطق".
يحمل الفنان الفلسطيني محمود طه معه منذ التهجير عام 1948 ذاكرة لم يستطع الزمان ولا الظروف الصعبة محوها، عندما كنت طفلا مهجراً من فلسطين حملت معي كل ما عشته في قريتي، واصبحت هذه الذاكرة تخيم على اعمالي وحياتي، ورغم انني اتجه دائما الى التجريد في اعمالي الا ان ذاكرتي حاضرة تماما، تعلمت التجريد من خلال الاطفال فهم اول المجردين، حين عملت مدرس لمادة الرسم في احدى المدارس، استفدت كثيرا منهم".
يروي الفنان الفلسطيني محمود طه حكايته وعلى طريقته، فذاكرته سجلت ماضيه، وذهبت به الى المستقبل بمعناه الزمني والابداعي "لم يبقى في القرية احد، لا نعرف أين اتجهوا، كان يحيط بيتنا وبيارتنا مستعمرة (نيتر) الصهيونية ومستعمرة أخرى من الجهة الشرقية، قريتنا يازور وهي ملاصقة لمدينة يافا من الجنوب، اين نذهب؟، والدي هو الاكبر بين أخوته وأخواته، وقد طرد من المدرسة وهو في السابع ابتدائي بسبب زواجه وهو لم يبلغ الرابعة عشر".
ويضيف "كانت جدتي الارملة مسؤولة عن عائلة كبيرة، أبنها الكبير وأولاده الخمسة، وابنائها الاربعة، وكانت تأخذ القرارات دون استشارة أحد من أبنائها، هجرنا من القرية تاركين كل شيء سوى بعض الامتعة الضرورية، كنت على ابواب السادسة من العمر حيث بدأ رأسي يختزن ذاكرة هذه اللحظات المؤلمة، بعد رحلة شاقة بطرق وعرة وصلنا قرية آمنة (دير أبو مشعل) قرب رام الله، حيث استضافنا أهل القرية، وبعد مدة قصيرة رحلنا مرة اخرى باتجاه مدينة نابلس لأخذ عم لي الطالب في كلية النجاح الوطنية (القسم الداخلي)، حيث عثرنا عليه بسهولة".
عرض الحال هذا الذي يسترسل به الفنان طه سيكون جزء من حياته الفنية والانسانية، وما يتقاطع معها من احداث ستكون محل اهتمامه وتبدلاته اليومية "في نابلس لم نجد مكانا نأوي اليه، جمعنا الامتعة التي حملناها في الشاحنة تحت شجرة الزيتون ووضعنا حولنا ستائر من مجموعة سجاد كان جدي قد اشتراها من حاج ايراني في القدس من مدة طويلة، سبقنا الى هذا المكان مجموعة من الاسر لا نعرف من أين جاؤا، مكثنا في هذا المكان حوالي اربعة اسابيع وقد تزايد عدد القادمين اليه، ولا ادري كيف استطعت أن اختزن ذاكرتها المؤلمة والتي أدركت شدة ألمها وفداحتها إلا بعد أن أنهيت دراستي الجامعية".
العمل الفني الفلسطيني مرتبط بالذاكرة والتهجير والظروف القسرية التي يعانيها الفنان ويسجلها في اعماله المتنوعة "مجموعة من الاطفال يتفرجون على سيارات الجيش العراقي المنسحب من جنين وشمال فلسطين، بعض السيارات الفارغة تتوقف قبالة مجموعة من اللاجئين وينزل منها أفراد يطلبون من الناس المغادرة معهم الى العراق، واستجاب لهذا الطلب بعض العائلات بعد أن شاهدوا شاحنات فيها عائلات قادمة من الشمال.. بعدها قررنا الرحيل الى مدينة أريحا كونها أكثر أمنا، حيث وصلنا بعد معاناة قاسية".
ويواصل الفنان طه استرساله " في أريحا كانت لجان المتطوعين والصليب الاحمر تستقبل اللاجئين لإيوائهم، اسكنونا في خيمتين، جدتي واولادها في خيمة، ووالدي وأسرته بخيمة أخرى، كان هذا المكان هو مخيم عقبة جبر، على طريق أريحا القدس الذي أصبح فيما بعد أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين، العيش في هذا المخيم لا يطاق، درجة الحرارة مرتفعة جدا والمياه شحيحة ويخلوا من المرافق الصحية، والاسوأ من ذلك انتشار الزواحف والافاعي والعقارب السامة بين الخيم، وأحيانا تشاهدها وأنت جالس داخل الخيمة وكثيرا ما كنا نسمع صراخ نساء بسبب وجود افعى داخل الخيمة".
كيف لا يمكن للعمل الفني ان يخرج من رحم المعاناة وان لا يمثل الشعب الذي يعاني اسوأ انواع الاحتلالات في العصر الحديث يقول الفنان الخزاف طه "لم نستطع احتمال هذه الحالة وقسوتها، استأجرنا شاحنة ودليلا لينقلنا الى عمان في الليل، كانت السيارة تعبر طرقا وعرة بدون اضوية، حتى وصلنا الى بلدة صويلح حينها شعرنا بالامان، ثم تابعنا سيرنا حتى وصلنا جبل عمان وبالذات خلف الكلية العلمية الاسلامية، وجدنا عائلتين قادمتين قبلنا، واحدة من بلدة بيت دجن القريبة من بلدتنا، فقررنا البقاء في هذا المكان الى ان يشاء الله، استأجرنا نجارا صنع لنا غرفة من الخشب تتسع لنا، هذا المكان شبه خال من السكان والبيوت، سوى المدرسة وبيتين مقابلها وبيت صغير في مزرعة يبتعد قليلا عنا، في هذا المكان كنت العب مع مجموعة اطفال كان بينهم ذلك الطفل وهو من قرية بيت دجن، نلعب كل يوم بكرة من القماش، وبينما نحن هكذا رأينا رجلا يضع عباءة على كتفيه راكبا على حصانه وقد توقف قليلا أمام الخيمتين وسقيفة الخشب، نظرت الى وجهه فرأيت دموعه تنسكب على وجنتيه ثم يغادر هذا المكان، وتكرر مروره من هذا المكان عدة مرات، عرفنا بعد ذلك أنه الامير طلال ولي العهد".
المعاناة مستمرة وتسجيلها بدأ ياخذ بعدا مختلفا كما يروي الخزاف والفنان محمود طه "بعد إنشاء أول مخيم للاجئين في جبل الحسين، كان لزاما علينا الانتقال اليه، وبدأت وكالة الغوث بأعداد البطاقات واحصاء اللاجئين تمهيدا لصرف المواد الغذائية والتموينية لهم، حصلنا على خيمتين متقابلتين، كنا نرفع على كل خيمة قطعة قماش سوداء، ومع انشاء أول مدرسة للذكور، تم استخدام غرفتين من الطين لا تتسعان لأكثر من اربعين طالبا وخيمة كبيرة ايضا، بدأت المدرسة تعلن عن قبول الطلاب من الصف الاول الى الثالث فقط. تدافع المئات من الناس لتسجيل ابنائهم، هناك أطفال انهوا الصف الرابع والثالث، تم تسجيل بعضهم في الصفوف الاقل، وهكذا تم تسجيل اكثر من مائتي طالب. المكان لا يتسع لهم، في هذه المدرسة أنهيت الصف الاول في أربعة شهور ساعدني في ذلك مقدرة عالية في الكتابة قبل دخولي المدرسة حيث كنت أرسم الحروف دون معرفة أصواتها".
كان يرسم الحروف صغيرا، لكنه ادرك فيما بعد صوتها وكم هي مؤثره، حين تختلط مع الفكرة/ القضية، وتصبح رمزا عميقا يمثل جوهر العمل الفني، فقد حاول الخزاف طه خلال مسيرة حياته الاستفادة من الخط واعطاءه بعدا جماليا مغايرة لما هو عليه، ووفق بينه وبين تكويناته الطينية لينتج عملا يحكي قصته ومعاناته كفلسطيني، اراد من خلال فنه ان يوثق للذاكرة والثقافة والتاريخ المهدد طوال الوقت من قبل اسرائيل، القدس صارت في اعماله غير تلك التقليدية، حملتها الدلالات التجريدية لتكون القدس من جديد وبرؤية مختلفة عما هي عليه، اخذت شكلا جديدا وفنيا جذاب.
درس الفنون في جامعة بغداد و تخرج فيها عام 1968 ، ثم درس الخط على يد الفنان محمد هاشم البغدادي ، وأوفد في بعثة فنية إلى كلية كارديف للفنون الجميلة في ويلز- بريطانيا ما بين 1975-1976، وقد حقق على مدار العقود الأربعة الماضية تجربة فنية في مجال الخزف و الخط العربي، تعتبر رائدة و أسست لجيل من الخزافيين الأردنيين ، على أن دور محمود طه الفنان ، لم يتوقف عند حدود التأسيس، فقد مارس التشكيل الخزفي و النحتي و قدم خلال رحلة البحث الطويلة، نموذجا من العمل الخزفي ، يمكن إضافته إلى الجهود التشكيلية الأردنية في مجال العمل الفني القابل للتعليق على الجدار، في القاعة أو المتحف أو البيت.و لم يكتف الفنان بإنجاز المهمة التاريخية و القديمة للخزف خصوصا في المجال النفعي، المتعلق بالأواني و الأدوات التي شكلها الإنسان القديم و استعان بها على إدارة شؤونه اليومية بل تجاوز ذلك إلى إضافة قيمة تشكيلية للخزف.
والفنان محمود طه إلى جانب عمله في مادة الطين و إبداعه فيها ، فقد أجاد استخدام الخط العربي و قدم في مجال الحروفيه، أعمالا فنية ما زالت حاضرة برصانتها و جودة شكلها.على أن الإدارة قد أخذت من وقت الفنان طه، عندما أسس و مجموعة من زملائه الفنانين ، رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين ثم الاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب ، و كان في هذه المرحلة، يمارس إحساسا عاليا بالمسؤولية ، تجاه زملائه و مهنة الفنون التشكيلية بشكل عام، ولجهوده القيمة فقد نال جائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 1990، وميدالية الحسين للتفوق 2002، وعدة جوائز أخرى رفيعة، وهو عضو في الأمانة العامة للاتحاد العام للتشكيليين العرب،وجمعية الخزافين البريطانية،وله محترف خاص في العاصمة عمان.
