الكاتب والفنان جون بيرجر عاش ورحل وفلسطين عنوانه الابدي
تاريخ النشر : 2017-01-04 19:04
بعدسة المصوّر السويسري جان مور

كتبت - روان عز الدين :
صغرت عينا جون بيرجر (1926 ــ 2017) الزرقاوان وهو يقترب من التسعين. عملية القرنية التي خضع لها قبل سنوات، صارت مائدة بصرية دعا إليها صديقه الفنان التركي سلجوق دميلر المهووس برسم العيون. بقيت رؤية بيرجر متّقدة رغم ذلك، وهو يبدو كرجل يخرج رأسه بحذر من نافذة مدوّرة كالمقصلة، في لوحة من القرن الخامس عشر.
رجل لا يملك إلا عينيه والنافذة التي تطل على العالم. «هذه النافذة تعادل حياته، لكن كل شيء سيختفي حين يغلق عينيه». علّق بيرجر على لوحة الهولندي هوغشتراتن في وثائقي «فن النظر» على «بي بي سي» العام الماضي. أوّل من أمس، أغمض الناقد والكاتب البريطاني عينيه إلى الأبد، تاركاً عشرات الكتب بين النقد والرواية والشعر والسيناريوهات والقصص والرسومات، تجمعها معادلة أخلاقية مشحونة بنبضه السياسي الراديكالي وبمقارباته الماركسية. تخليه عن الرسم، بعد عروض ضئيلة لأعماله في لندن الخمسينيات، كان مانيفستو لكل ما سيقوم به لاحقاً. هرب بيرجر من المتاحف، وجدرانها الصماء أمام هالة القنبلة الذرية التي كانت تحوم حول العالم. انصرف إلى النقد الفني، والنشر والكتابة التي تحتمل الانخراط السياسي. وبمعنى آخر، ذهب لملاقاة الآخر، والحوار معه والنظر في عينيه بين لحظة وأخرى، واحترام الصمت بين الجمل، كما وصف فعل الكتابة. لم يجتز بيرجر طريقة عمل المتاحف التي شبهها بالبنوك المدججة بالكاميرات والحرّاس المسلحين. أضاء على تداعيات السيستم الرأسمالي للمتاحف، وعلى العزل الطبقي الذي تمارسه المؤسسات والمحافل الفنية على الفقراء وعمال المهن اليدوية.
«الفن هو الذي أغرقني في السياسة، لا العكس» قال رداً على منتقديه الحياديين. في سلسلته «طرائق الرؤية» («بي بي سي») التي صنعت اسمه عالمياً، قبل أن تصير كتاباً بالعنوان نفسه عام 1972، انطلق من مقالة للناقد الألماني والتر بنجامين «العمل الفني في عصر الإنتاج الصناعي» (1936) حول أصالة العمل الفني وتبدلها مع الثورة الصناعية. أطل بيرجر ليدشّن نظرة جديدة إلى الفن مطلع السبعينيات، تزامناً مع التحولات الاقتصادية والبصرية والسياسية الحديثة. واجه الفنون الأوروبية منذ عصر النهضة حتى نهاية القرن التاسع عشر كما لم يفعل ناقد أوروبي من قبل... النقاد الذين كانوا يعطون لأنفسهم الحق بدراسة الفنون الأخرى أنتروبولوجياً، بعيداً عن سرديات شعوبها. عرّى بيرجر هذه اللوحات الزيتية، راصداً التغيّرات التي أحدثتها الكاميرا عليها قبل أن تنسخها الإعلانات الحديثة. ماذا يبقى من اللوحات الأصلية بعد خروج ملايين النسخ منها؟ من منطلق ماركسي، نبش القيم التي كانت تشيح عنها عيون النقاد، مأخوذة بجماليات هذه اللوحات وتقنياتها وقداستها التي يضاعفها «السعر الذي يحدّده أحد الأغنياء». تتبَّع طريقة عرض المرأة التي رسّخت مرجعاً بصرياً ذكورياً لأجيال لاحقة حين صارت فتيات الإعلانات الحسناوات يتقمصن إيماءات عاريات عصر النهضة. قيم كثيرة تضمنتها هذه اللوحات دفعت بيرجر إلى التعبير عن نفوره بلا مراوغة من القيم الاستعمارية وتجارة العبيد وتمجيد البضائع الفاخرة والملكية الفردية التي صبغت حتى لوحات المناظر الطبيعية «بطريقة لم تحدث في تاريخ الفن من قبل». ظل بيرجر يخمد الذنب الذي يطارد محبي الفنون، إذا ما ألقوا نظرة على الجزء الثاني من العالم، محاولاً تصريف العلاقة الكارثية بين الفن والملكية الفردية. لم يخف رأيه الفجّ بدور الفن التاريخي بالقول: «أحكم على العمل الفني استناداً إلى قابليته في مساعدة الناس في التنبّه والمطالبة بحقوقهم الطبقية». قلّب بيرجر كافة أنواع المناظر والمشاهد والصور التي تتخم العالم المعاصر. ساءل البورتريهات ولوحات المناظر الطبيعية والتحف العالمية مشكّكاً بماهيتها. تفحّص لوحات رامبرانت وفرانز هالز، وتينتوريتو، وهولباين ودي هيم وجورج ستبز وكارافاجيو وفان غوخ وماغريت وبيكاسو وصور أوغست ساندر وبول ستراند ومنحوتات الفلسطينية رندا مداح، ورسومات والت ديزني وكليشيهات الإعلانات المعاصرة. قرّب هذا الإرث الفني من مساراته ودلالاته السياسية الاقتصادية، والفلسفية والتاريخية الأولى، من دون أن يخسر طراوة الرؤية الفطرية. معادلة استثنائية رأيناها في مقالاته التي كتبها بألفة من يقصّ حكاية، مخلخلاً الحواجز بين أساليب وأنماط كتابية مختلفة: السرد والقص، والتدوين التاريخي إلى جانب معرفة موسوعية بالفنون والفلسفة. فعل ذلك متهرباً من لقب الناقد الفني الذي أسهم في احتكار الفن، كما يفعل تجّار اللوحات الذين يدارون قداستها. رغم المسح التاريخي ودفق المقارنات التي يدوّنها بيرجر، فإنه لم يكن يوماً صاحب إجابات حتمية، بقدر ما يبدو داعية إلى التشكيك. التشكيك بأنفسنا كمتفرّجين، بما نراه وبما تحفظه ذاكرتنا، بإعادة تفحّص علاقتنا المرسومة مسبقاً بالأشياء ضمن سياق الثقافة المعاصرة. كتابه «حول النظر» (1980) واحد من هذه المؤلفات التي تتدفّق فيها كلماته مع نظره. وفيه، أعاد تفحّص علاقة الإنسان مع الحيوانات من لوحات الكهوف التي رسمها الإنسان القديم بدم الحيوانات والوحوش، وصولاً إلى الحيوانات المحبوسة داخل أقفاص الحدائق بموازاة عبودية الإنسان في عصر الإنتاج الحديث. في هذا الكتاب، لم يتوانَ بيرجر عن إبداء تلك الآراء اللقيطة في تاريخ النقد المتوارث والحيادي. هذا ما نقرأه وهو يجري مقارنة بين لوحات أغلى فناني تلك الفترة فرانسيس بيكون ورسومات والت ديزني التي تتضمن عنفاً عبثياً، داعية المشاهد إلى تقبل التصرفات المنفرة في مجتمعاتنا من خلال تشويه الأطراف والألوان وإيماءات الأيدي. في نقده، بدت الفوتوغرافيا بلا قعر كما في مؤلفات سوزان سونتاغ ورولان بارت. إذ جرّد الصور من طبقاتها السياسية كما في مقالته «صورة الإمبريالية» (1967) حول استخدامات صورة جثة تشي غيفارا في الميديا (كتاب «فهم الفوتوغرافيا»). بعد عقود من استغنائه عن الرسم كعمل ثابت، غادر الناقد المشاكس بريطانيا التي أحدث فيها جلبة مرةً حين انتقد منحوتات هنري مور، ما كلّف المركز الثقافي اعتذاراً رسمياً من النحات الإنكليزي. اتجه بيرجر إلى إحدى الضيع النائية في جبال الألب. هناك سينجز ثلاثيته الروائية عن الفلاحين بعنوان «في كدحهم» (1991)، بعدما عاش إلى جانبهم وعمل معهم في الزراعة ورعي الأبقار. واصل تجريبه في اللغة، مركزاً على قضايا الهجرة والسجون والمنافي كما في باكورته الروائيةA Painter of Our Time عام 1958 حول رسام هنغاري منفي في لندن. ثيمات لم تغب أيضاً عن «رجل سابع» (مع المصور جان مور) حول العمال المهاجرين في أوروبا، بعد فوز روايته G بجائزة «مان بوكر». ترافق ذلك مع تبنيه للقضية الفلسطينية، وانحيازه إلى الذين هم في الأسفل دائماً، إلى الفيتناميين والعراقيين وحركة «الفهود السود» الراديكالية التي أهداها أيضاً نصف المبلغ من الجائزة. بهذه الطاقة أنجز رسومات متواضعة بالحبر الصيني والباستيل مقابل عشرات الكتب الخارجة من علاقته اليومية مع الأشياء. آخر هذه المؤلفات هي «مسامرات» و«مناظر طبيعية ــ جون بيرجر حول الفن» وكتاب عن الروائي الروسي أندريه بلاتونوف، أصدرها احتفالاً بعيده التسعين في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، قبل أن يغلق نافذته الأخيرة في باريس أول من أمس.
عن "الاخبار" اللبنانية