آخر حروب أردوغان وانحسار طوفان الإرهاب
تاريخ النشر : 2016-11-27 15:46

انطلقت الشرارة الأولي في الحرب المباشرة بين تركيا وكل من العراق وسوريا، ولقي 3 أتراك مصرعهم وأصيب 10 آخرون قرب مدينة الباب السورية، وتوعد رئيس الوزراء التركي بالانتقام من سوريا، بينما احتشدت قوات تركية أخري قرب مدينة تلعفر العراقية متأهبة للتدخل، بحجة إنقاذ التركمان العراقيين من قوات الحشد الشعبي العراقي، لتضع تركيا جميع أطراف الصراع الدائر في سوريا والعراق أمام خيارات صعبة، خاصة أن اندلاع الحرب المباشرة سيؤدي إلي دخول أطراف إقليمية ودولية، واتساع نطاق المواجهات إلي حد لا يمكن توقع مداه.
الرئيس التركي أردوغان يندفع إلي التوسع تحت عدة ضغوط، أولها الخشية من التقارب االروسي الأمريكي بعد تسلم ترامب مهام منصبه، مما سيفقده مناورة اللعب علي التناقضات، والثاني انتصار الجيش العراقي في الموصل، وأن يتوجه صوب الحدود السورية لدعم الجيش السوري الحليف، والثالث هو اقتراب الجيش السوري من إنهاء التواجد المسلح في شرق حلب، وأن يتفرغ لمجابهة القوات المدعومة من تركيا، وكل هذه العوامل تقلق أردوغان الراغب في تحقيق انتصار خارجي يمكن أن يرمم جبهته الداخلية المتداعية، وتعزز فرصه في التحول إلي النظام الرئاسي، بعد ضياع حلم الخلافة. أردوغان لا يستطيع السكوت علي الضربة السورية وسقوط قتلي وجرحي بين جنوده، وهو الذي وعد باجتياح مدينة الباب، وإقامة منطقة عازلة تحت السيطرة التركية، لكن الضربة السورية لا يمكن أن تكون إلا التنسيق مع كل من روسيا وإيران، خاصة أنها جاءت في الذكري الأولي لإسقاط تركيا طائرة السوخوي الروسية، وهو ما يعني أن روسيا وإيران لن تتركا سوريا بمفردها في أي معركة تخوضها ضد تركيا.
في الوقت نفسه، يحشد أردوغان قواته قرب مدينة تلعفر العراقية، والتي تتمتع بموقع استراتيجي يربط العراق بسوريا، لكن قوات الحشد الشعبي العراقية استكملت حصار المدينة، بعد أن سيطرت علي مطارها، ويدرك العراق أن القوات التركية المتربصة تنتظر وقوع أي أعمال عنف، وتدعي تركيا أنها جاءت لحماية سكان المدينة ذات الأغلبية التركمانية، ولهذا توجه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إلي مطار تلعفر، وطلب اكتفاء قوات الحشد الشعبي بالحصار من الخارج، وأن تدخل المدينة قوات الجيش العراقي والشرطة الاتحادية فقط، لنزع أي ذريعة يمكن افتعالها لتبرير التدخل التركي. كان بوتين قد حشد معظم الأسطول الروسي قبالة السواحل السورية، تحسبا لفوز هيلاري كلينتون المتحمسة لدعم المعارضة السورية المسلحة، لكن مجيء ترامب جعله أقل رغبة في توجيه ضربات قاسية وعاجلة للمعارضة المسلحة ومنع أي تدخل خارجي لإنقاذها، وهو ما كان يعرضه لحملات إعلامية ودبلوماسية ضارية، لهذا تراجع عن الحسم السريع، وترك للجيش السوري وحلفائه مهمة إنهاء التواجد المسلح شرق حلب وغوطتي دمشق بالقضم التدريجي لمواقع المسلحين، وتغطيتها بمناورة دبلوماسية حول تسهيل المساعدات الإنسانية وإعلان الاستعداد لهدنة جديدة. مؤشرات هزيمة مخطط الفوضي الخلاقة تبدو أكثر وضوحا، سواء علي الصعيد الميداني أو السياسي، وها هي إسرائيل تعيد قوات الأمم المتحدة إلي حدودها مع سوريا، والرئيس الأمريكي الجديد يؤكد أنه سيدعم سوريا في محاربة الإرهاب، ولو علي مضض، بالتوافق مع روسيا، والمندوب الأممي ديمستورا يخرج من دمشق غاضبا وملوحا باستقالته، بعد رفض وزير الخارجية السوري وليد المعلم اقتراح سحب مسلحي جبهة النصرة من شرق حلب مقابل حكم ذاتي لشرق المدينة، يضمن للمسلحين ورقة ضغط علي الدولة.
هكذا لا يبدو أن المغامرة الأخيرة لأردوغان في سوريا والعراق لديها أي فرص للنجاح، سواء أشعل الحرب أو سحب قواته أو اكتفي ببعض الوجود الرمزي الذي يمنحه بعض فرص المساومة، فالرياح القادمة تهب بعكس ما كان يشتهي، وها هي أوروبا تدير له ظهرها، وتصوت علي تجميد طلب انضمام تركيا إلي الاتحاد الأوروبي، وفرنسا مقبلة علي تغييرات كبيرة بصعود اليمين، سواء المتطرف أو المعتدل، ترفض المضي في دعم المسلحين، كما لن تدوم المساعدات الخليجية الضخمة لأردوغان طويلا، إما بسبب أزماتها الاقتصادية، أو لتقلص الآمال التي كانت معقودة علي دور أردوغان في إنقاذ الجماعات المسلحة في سوريا والعراق وليبيا، وهو ما تأكد منه أردوغان، وأعاد السفير التركي إلي إسرائيل، بعد أن قطع العلاقات عام 2010، ليتمكن من اعتلاء عرش الخلافة الإسلامية، الذي يستلزم أن يبدو معاديا لإسرائيل، وحريصا علي حل عادل للقضية الفلسطينية، لكنه لم يجد إمبراطورية إسلامية، ولا حتي توسيع حدود دولته، بل دولة تمزقها الصراعات، ولن تستعيد تماسكها بالتوسع في الاعتقالات وإعلان حكم الفرد الواحد، بل سيزيد من عزلته الداخلية والخارجية، ولن يمر وقت طويل حتي يتخلي عن جماعة الإخوان، التي لم يتبق لها نصير أو سند سوي أردوغان.
عن "الاهرام" المصرية