غزة-نوى-شيرين خليفة:
أزقة المناطق المهمشة والمخيمات الضيقة في قطاع غزة اتسعت لتضم أول معرض صور ترفيهي تعليمي متنقل للأطفال حمل عنون" الفن ليست تجارو"، حافلة معرض الصور المتنقلة تجوب هذه الشوارع ليتعلم الأطفال التصوير فأصبحوا أمام الكاميرا بعد أن كانوا خلفها.
في الحافلة التي أقلّت صاحب المبادرة المصور الصحفي عز الزعنون وفريق المتطوعين إلى أقصى شمال بيت حانون شمال قطاع غزة؛ كان المصور عز يتحدث لزملائه عن هذه المنطقة التي تعرضت لقصف هجمي خلال العدوان الأخير على قطاع غزة، وتذكّر أنه حين زار المنطقة بعد العدوان مباشرة حين كانت بيوتها مهدّمة بالكامل، ويختلط ركام المنازل ببرك الدماء التي انتشرت بين الأزقة مع وجود 12 من جثث الشهداء.

سرعان ما بادر الأطفال الذين كانوا يلعبون في الشارع إلى مساعدة فريق مبادرة "الفن ليس تجارة" بتعليق الصور على الجدران، ثم مشاهدة الصور والسؤال عنها وتعلّم التصوير والرسم على الوجوه.
بينما يواصل المصور عز تعليق الصور يقول لنوى إنه فكّر بهذه المبادرة وهي الأولى من نوعها على مستوى القطاع بعد ملاحظته أن كافة معارض الصور يتم تنظيمها في أماكن محددة كالفنادق والمؤسسات وتحضرها فئة محددة، وهذا ما تفتقده الفئات الأخرى.
يضيف عز :"لم أشارك سابقًا في معارض خاصة بي، الفكرة أن أنتقل للمناطق البسيطة والمهمشة وأحكي مع الناس مباشرة عن الفن والجمال، وأتحدث للأطفال بالشكل البسيط لأكتشف الروح الفنية الجميلة لديهم".

فعاليات المعرض بسيطة، وهي تمديد حبال عادية على جدران المنازل، ثم تعليق صور بحجم يصل إلى 40 سم لكل صورة بمشابك الغسيل وبمساعدة الأطفال، وبعدها يبدأ الأطفال بمشاهدة الصور وسؤال المصور عن مكان ومعنى كل صورة ومعناها، بينما يشرح هو بشكل بسيط يناسب طريقة تفكيرهم.
الأطفال الذين انضموا إلى المبادرة بصخب في البداية، سرعان ما هدأوا وانقسموا بشكل تلقائي بين من يشاهدون الصور ومن يتعلمون التصوير ومن اتجهوا إلى الرسامين للرسم على وجوههم بشكل مبهج.
تهدف المبادرة إلى تنشيط الأطفال وإخراجهم من حالة الضغوطات التي يعيشونها عن طريق عرض صور جميلة وتعليمهم التصوير وتوزيع هدايا تذكارية بسيطة عليهم، خاصة في المناطق التي تعرضت للاستهداف المباشر خلال العدوان الإسرائيلي عام 2014م.

يقول المصور عز إن الأطفال متعطشين جدًا للفن، والكثير من الناس لم يتعاملوا مع المعارض كأولوية في ظل المعاناة الشديدة في قطاع غزة، لكنه وجد خلال جولته أن الناس تحتض الفكرة وتفرح بها.
يقول :"بالأمس كنت في منطقة الجرن في جباليا، كل الناس شاركول بمشاهدة المعرض حتى أن النساء أخرجوا كراسي من بيوتهم وجلسوا على أبواب المنازل لمتابعة فعاليات المعارض".
يعلّق المصور عز على ضجيج الأطفال في البداية بابتسامة خفيفة ثم يقول :"ربما لم يعتادوا هذه الفعاليات، في البداية يحدث ضجيج ولكن مع الوقت يبدأوا هم بمساعدتنا، الأطفال يريدوا أن فرحوا وتجذبهم هذه المشاركات النوعية".
نفذ الفريق المعرض في مخيم الشاطئ وبين المسجد والكنيسة في وسط مدينة غزة، وفي مخيم جباليا وفي شارع النزاز بالشجاعية، ثم بيت حانون، وفي الأسبوع المقبل ستكون الجولة في مناطق وسط وجنوب قطاع غزة وبنفس الفعاليات، على أن تتختم فعالياته بمعرض مفتوح قد يكون وسط مدينة غزة أو على شاطئ البحر.

الأطفال بدت الفرحة واضحة على وجوههم وهم يضحكون، لتوّه فشل الطفل أحمد الكفارنة في التقاط الصورة الأولى لأن الكاميرا ثقيلة كما يقول؛ لكنه سرعان ما عاد وأتقنها بمساعدة المصور عز الذي ساعده في ضبط الكادر والتقاط صورة للأطفال الذين تجمّعوا أمامه.
أما الطفلة إسلام اصليح "10 سنوات" فقد صفقت بحرارة حين أتقنت التقاط الصورة من أول مرة وقالت :"هوايتي التصوير فأنا أحب تصوير كل شيء بالجوال، لكن الفرق أن المصوّر علمني كيف تكون الصورة أوضح وأجمل وليس فيها ارتجاج".
تضيف إسلام أن هذا النشاط جميل كونه بعيد عن جو الحرب والاعتداءات والنشاطات العادية التي تقوم بها الكثير من الجهات مثل توزيع المساعدات أو التقاط صور الدمار.
الأطفال بدأوا بالتسابق مجددًا لحمل الكاميرا والتصوير، تقول الطفلة إسلام الكفارنة إن الصور التي شاهدتها جميلة وأعجبتها، مبدية سعادتها بصورة صغيرة أهداها لها المصور كتذكار وهي نسخة من إحدى الصور المعلقة على الجدران.

إلى جوارها كانت تقف قريبتها الطفلة ابتسام الكفارنة فقد أدبت إعجابها الشديد بصورة لعروس تخرج من أزقة مخيم وهي تمسك باقة ورد بيضاء، وعلّقت وفي تضحك :"الصورة جميلة جدًا لأن العروسة ابتسامتها حلوة".
طلبت الطفلة ابتسام من الرسام أن يرسم صورة قطة على وجهها، فكما ترى أن شكل رسمة القطة يشبه الابتسامة، وهي تحب أن تبتسم.
تضيف :"عادة يأتي المصورون إلى هنا للتصوير ولكن هذه المرة تعلّمنا كيف نصوّر".
ساعتان ونصف قضاها الفريق المتطوع في المنطقة لتنفيذ أنشطته التوفيهية التعليمية، حملوا بعدها الصور وعادوا إلى الحافلة، واستذكروا في طريق العودة عشرات المشاهد المؤلمة التي مرت بهم حين زاروا هذه المنطقة عام 2014م بعد العدوان الإسرئيلي، سعداء بما حققوه بعد أن زرعوا البسمة على وجوه الأطفال في هذه المنطقة التي ضجت بالنشاط.






