غزة-نوى-شيرين خليفة:
خطفت "الرباعية العربية" الأنظار مؤخرًا؛ ليس لأننا ولأول مرة نسمع بهذه التسمية في النطاق العربي والإقليمي، لكنها المرة الأولى التي يبدو فيها الخطاب العربي حازمًا والرغبة مرتبطة بإرادة وقدرة أطراف هذه الرباعية على الفعل، فاثنين منها يمتلكان القدرة على خنق الكيانات السياسية في فلسطين، والمقصود هنا مصر والأردن اللتان تمتلكان الحدود الوحيدة المتاحة للفلسطينيين في الضفة والقطاع، والأخريان تمتلكان أكبر محفظة مالية عربية، بثقل إقليمي ودولي وهما السعودية والإمارات.
الشاهد هنا ليس فحوى الوثيقة التي تم نشرها والتي دعت الفتحاويين إلى التوحد قبل أن تدعو الفلسطينيين إلى التوحد والشراكة السياسية؛ ولكن في خريطة الطريق التي رسمتها لإنجاز ذلك، بما في ذلك انتشال المسار السياسي المتعثر في العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، فماذا وراء هذه الرباعية وهل تستطيع فعل ما لم تفعله الرباعية الدولية؟!!!
بنود خطيرة
تقول المحللة السياسية د.عبير ثابت، إن ما يحدث الآن هو رسم لخارطة الشرق الأوسط الجديد تستمر لمائة عامة قادمة وستكون إسرائيل حاضرة في هذه الخارطة بشكل مقبول من الجميع؛ في ظل فشل الإدارة الأمريكية في حل الصراع الفلسطينى الاسرائيلى والذى يشكل أعقد صراع فى التاريخ السياسى الحديث.
حول دافع ظهور هذه الرباعية تقول ثابت إنه مع انتهاء القطبية الواحدة وتقدم روسيا والصين في الأزمة السورية، وعدم تنازل الفلسطينين عن قضايا مركزية في ملف الحل النهائى، والخطر الإيرانى "العدو المشترك" للعديد من الدول العربية، كل هذه العوامل دفعت لتشكيل الرباعية العربية لترتيب البيت الفلسطينى.
تشمل خطة الرباعية أربعة مراحل :إنهاء الخلاف الفتحاوى الداخلى وإعادة محمد دحلان، ووضع خطط لإعادة وتفعيل مؤسسات منظمة التحرير بالتشاور مع كافة الفصائل، وإنهاء الانقسام السياسى بين فتح وحماس، وتوحيد الضفة وغزة تحت سلطة واحدة وسلاح شرعى واحد وتجديد الشرعيات بإجراء انتخابات، وإنهاء الصراع الفلسطينى الاسرائيلى وفق المبادرة العربية، على أن تشكّل الرباعية لجنة عربية للإشراف على تنفيذ اتفاق المصالحة وإلزام الجميع به.
علاقات عربية إسرائيلية
وجه الخطورة كما تراه ثابت هو ما قالته الرباعية إنه في حال عدم استجابة الفلسطينيين ستدرس الدول العربية بدائلها في التعاطى مع الصراع العربى الاسرائيلى بمعنى إنهاء "الخلاف" مع اسرائيل وإقامة علاقات عربية اسرائيلية معلنة ضمن السيناريو الدولى الجديد المرسوم للمنطقة العربية بدمج إسرائيل بالعالم العربى بشكل دبلوماسى سياسى متفق عليه وبدون سرية أو تخوف.
وتحذر إن هذا ما سعت إليه إسرائيل منذ سنوات بأن يتم إنهاء الصراع عربيًا وليس فلسطينيًا فهي لا تمانع من تسوية خلافاتها مع كل الدول العربية وإقامة علاقات سياسية واقتصادية بالمقابل التفاوض مع الفلسطينيين لمائة عام أخرى.
تكمل ثابت أن هذا يعني استمرار معاناة الشعب الفلسطيني الذي يشهد انقسامات داخلية وتصعيد إعلامي يشير إلى فشل الرباعية العربية في ترتيب البيت الفتحاوي؛ وعلى صعيد الانقسام سنشهد جولة أخرى من الحوارات دون نتائج ما يعني فشل أول بند في بنود اللجنة العربية.
واعتبرت ثابت أن العرب أصبحوا بهذا أدوات منفذة وليست مقررة وهم أداة لتمرير مشروع دولي جديد سيصبحوا جزءًا منه ويسمحوا لإسرائيل بالتوغل في بلدانهم بموافقتهم، فهم لا يملكوا ضمانات لحماية أمنهم القومي.
وتذكّر أننا كفلسطينيين بحاجة للعمق العربي ومرجعيتنا السياسية وحاضنة قضيتنا التي ستدفع الثمن في حال تسوية الصراع العربي الإسرائيلي وتركت فلسطين.
ترتيبات مفروضة
أما المحلل السياسي د.بلال الشوبكي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخليل؛ فقال :"سواء كانت كان ما جاء في الوثيقة حقيقية أم مختلقة، فإنّه لا يختلف عن توجهات الدول التي نُسبت إليها ، وهي الإمارات والسعودية والأردن ومصر.
وأضاف أن هذه الدول تتبنّى ما وصفته بأنّه مصالحة فتحاوية ثم فلسطينية، لكن شكل وطبيعة هذه المصالحة باتت معروفة للجميع، إذ هي ترتيبات جديدة مفروضة على الفلسطينيين لخلق مكان آمن لمحمد دحلان في قمرة القيادة.
ويعتقد الشوبكي أن السلطة في رام الله تتعرّض لضغوط كبيرة كي تتنازل في ملف محمد دحلان، وهناك مؤشرات عديدة على أنّ تسوية النزاع بين عباس ودحلان ليست مستحيلة؛ إلا أنّ تصوير المصالحة على أنها لمصلحة فتح فيها تزوير للحقائق، فما بين الرجلين ليس خلافًا سياسيًا فحسب، هناك ملفات قضائية عالقة، بالإضافة إلى عودة دحلان كتكريس للتدخل الإقليمي.
لكن لا يرى الشوبكي أن الرباعية العربية تشبه رباعية العالم، فالأخيرة تريد إنهاء الصراع مع الاحتلال، أما العربية فهي تريد عودة ميمونة لبعض الكوادر كي ترتب موازين القوى الداخلية في فلسطين وفقًا لما تراه مناسبًا، يضيف :"أظنّ أن العوز المالي للسلطة يجعلها مكشوفة الظهر أمام هذه الضغوط ويمكنها أن تخضع لها، علمًا أن الرباعية العربية ليست جهة مستقلة عن القوى الغربية".
يستدرك أن هذه الرباعية لن تجبر الفتحاويين على التوحّد وإلا لكان خيرًا للفلسطينيين، لكنها تريد عودة قيادات مفصولة وإعادة إدراجها في الحركة، ولديها القدرة على ذلك، بحكم عوامل القوة لدى رباعية العرب، فهي مسنودة غربيًا، وفيها أهم دول الطوق في المرحلة الحالية، مصر والأردن بما تحملانه من معنى أمني وجيوسياسي، وفيها أهم المنابع المالية المتمثلة في السعودية والامارات.
ونفى الشوبكي وجود ضمانات أن الأمور ستسير على ما يرام، فإذا نفذ الفلسطينيون ما هو مطلوبًا منهم، سيتم تشكيل قيادة جديدة برؤية سياسية أكثر تساهلًا في التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي.
شاهد الكثيرون "عصا" الرباعية العربية"، لكن أحداً لم يسمع عن "الجزرة" التي يمكن للفلسطينيين أن يحصلوا عليها إن تمكنوا من إنجاز ما هو مطلوب، فهل تحمل الأسابيع وربما الأيام القادمة ما يمكن اعتباره أول تدخل عربي صارم في الشأن الفلسطيني.
