قصار القامة يشقّون طريقًا طويلًا في غزة
تاريخ النشر : 2016-09-06 14:54

غزة-نوى-آلاء عوني المقيد:

يعيش " قُصار القامة " في قطاع غزة واقعًا إنسانيًا واجتماعيًا صعبًا في ظل حالة التهميش والنظرة المجتمعية السلبية اتجاههم بسبب الإعاقة التي يعانون منها، عدا عن عدم وجود مؤسسة أو نقابة تُمثلهم وتحفظ حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية.

"عليك أن تعيش كما يجب فقصر القامة لا يُلغي وجودك"؛ هذا السلاح الذي تسلح به الكثيرون من أفراد هذه الفئة، ليشقوا طريق النجاح المُعبد بأشواكِ الحياة حتى تمكنوا من ترك بصمة وأثرٍ في نفوس كل من تعامل معهم.

علاء مقداد (33) عامًا يعيش في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، وهو واحد من بين ما يزيد عن 85 شخصًا من قِصار القامة الذين يعيشون في قطاع غزة ، يقول لنوى :" "كان الناس دائماً يسخرون مني كوني قصير القامة، كنت أتألم كثيراً من ضحكات الأطفال خاصة حين أمرّ من أمامهم، ولم يكن لدي خيار سوى أن يُوصلني والدي ذهاباً وإياباً للمدرسة حفِاظاً على مشاعري من المارقين".

كان كلما مضى به العمر يضيق الكون عليه  بما اتسع حتى أصبح رهيناً بين خيارين  "إما الاستسلام والقعود أو الانتصار بالإرادة"؛ فأيهما اختار علاء ؟! يُجيب :" فكرت كثيراً كيف يمكن أن استثمر انجذاب الأطفال السلبي اتجاهي وتحويله لنظرةٍ إيجابية حتى قررت العمل كمهرج أطفال، فكان أول عرضٍ قدمته للناس في عام 1999م".

استثمار قصر القامة

ظهور علاء أمر أثار استغراب واندهاش الجمهور فتلك هي المرّة الأولى التي يشاهدون فيها رجلًا قصير القامة، وقدم خلالها عرضاً فكاهياً في غزّة ولاقى تفاعلاً كبيراً منهم، وبدأ يقترب أكثر إليهم ويوزّع الابتسامات، ومن هنا بدأ عمله تحت مسمى "عمو علوش".

ويُكمل:" بعدها بدأت العمل كمهرج للأطفال ضمن فريق مكون من عشرة أشخاص لإحياء العديد من النشاطات الترفيهية للعديد من المؤسسات والمدارس ورياض الأطفال وأحظى بشعبيةٍ كبيرة "، مستطرداً بالقول :"جميل أن يستغل الإنسان مشاكله وظروفه ليوظفها بطرقٍ إيجابية وتخدم الجميع , وأنا تمكنت بفضل الله من استغلال قصر قامتي ونثرت السعادة على الآخرين وحوّلت نظرتهم السلبية إلى إيجابية".

وزار غزة "طبيب مهرج" إيطالي وأشاد بما يُقدمه مقداد للأطفال في المستشفيات مشدداً على ضرورة تطوير علمهم وتوسيعه، وأردف :"الإغلاق المتواصل للمعابر حرمني من السفر إلى إيطاليا لتلقي المزيد من الدورات في هذا المجال والمشاركة في بعض الحفلات"، متابعاً بعد ابتسامة :"فئة كبيرة من الأطفال المرضى لا يتجاوبون مع ذويهم وأطبائهم إلا حين نحضر إليهم، وهذا أكبر نجاحٍ حققته في حياتي حيث أكون الأقرب إلى قلب الطفل وسعادته ".

عائلتي السبب

أما معتصم الباز (40) عاماً الذكر الوحيد لشقيقاته السبع؛ هو الآخر قرر أن يصنع لنفسه اسماً ناجحاً رغم المعيقات التي تواجهه، يقول لنوى :" إن السبب الذي جعلني مندمج اجتماعيا بين الناس يكمن  في عائلتي التي منحتني  الثقة منذ نعومة أظافري من خلال تعاملها معي بأني انسان لا يختلف الآخرين وأعطتني كل الاسباب لأخرج وأتعرف على البشر وأخالطهم دونما رهبة".

ولم يقِف "قصر القامة" عند معتصم فحسب، فبعد أن تزوج شاء القدر أن يُنجب خمسة من الأبناء ثلاثة منهم من قُصار القامة، ليُعيد زرع ما غرسه والديه فيه بنفوس أبنائه الثلاثة .

ويعمل الباز ضمن فريق مهرجين تابع لمؤسسة "بسمة أمل"  وهذا جعله يختلط أكثر بالمجتمع وساعده لتخطى نظرة المجتمع السلبية والكثير من الصعوبات التي تواجهه حتى أصبح كما يقول :" أعيش كأي انسان عادي طبيعي طويل أو قصير فكلنا واحد وما يُميزنا هو طريقة تفكيرنا وما نقدمه لأنفسنا وللغير".

وعما إذا كان هناك مؤسسة ترعاهم وتُمثلهم في القطاع يردّ منفعلاً :"قُصار القامة لا يتمتعون بأي رعاية أو احتضان سواء من المؤسسات أو من الحكومة إلا من يعمل في مؤسسات خاصة، وإذا كنت أنا اختلط مع الناس فغيري لا يخرجون من بيوتهم والكثير من النماذج التي أعرفها وذلك بسبب نظرة الناس السيئة لذلك فنحن بحاجة لمن يرعانا ويمنحنا حقوقنا الاجتماعية والاقتصادية ويُساعدنا على الاندماج بالمجتمع ".

بينما خديجة قفه (30) عامًا فقد واجهت في بداية حياتها صعوبات كثيرة منها نظرة المجتمع الدونية، والغمز واللمز الذي يتعرض له " قصير القامة" من المارّة، إلا أنها تخطت كل ذلك بنجاح، ولفتت إلى أن الفضل بعد الله يعود لوالدتها التي لم تُفارقها في جميع مراحل حياتها  لتُعزز فيها ثقتها بنفسها وتدعم طموحها من خلال تميزيها عن باقي زميلاتها، حتى تمكنت أن تصنع منها شخصية ناجحة ومبدعة.

كانت خديجة تهاب مواجهة المجتمع ونظرته السلبية لوحدها، فجعلت أمها سندًا لها في كل موطن، تُحدثنا عن ذلك :"لم تُفارقيني أمي في كل مرحلة مع كصديقة وأم  فبعدما أنهيت دراستي المدرسية؛ ضغطت على أمي لتدرس معي الثانوية العامة وفعلت ذلك لأجلي ومن ثم الجامعة، فأنا تخرجت بكالوريوس خدمة اجتماعية، وهى تربية إسلامية، ثم قررنا أن نفكر بمشروع يكون مصدر رزق لنا، فافتتحنا مشروع رياض أطفال وخرجت منه 12 فوج ".

ولأن للنجاح ضريبة واجهت خديجة في عملها مديرة رياض أطفال انتقاداً من البعض بحجة أنه "لا يصح أن تكون قصيرة قامة في هذا المكان، إلا أنها لم تستسلم وفرضت على كل من حولها نجاحها وحُسن إدارتها فهي لا تقل عن أي إنسانة بشيء بل هي مميزة بعقلها وتفكيرها كما تصِفها أمها .

ويُجمع قُصار القامة على ضرورة أن يكون هناك نقابة أو مؤسسة رسمية تُمثلهم وترعاهم في القطاع كما لأي فئة في المجتمع نقابة، فخديجة تطمح بأن تُكمل الدراسات العليا إلا أن الوضع المادي يقِف حائلاً أمام تحقيق ما تصبو إليه، وهذه الفئة إن لم ينخرط فيها الفرد مع مؤسسة خاصة من الصعب أن يجد وظيفة عمل أو حقوق اجتماعية واقتصادية وفقاً لما أروده لنا المتحدثون بالتقرير.