غزة-نوى-شيرين خليفة:
لم يكن تراجع مواقع النساء على القوائم المترشحة للانتخابات البلدية مفاجئًا لمن يراقب الوضع الاجتماعي والسياسي عن كثب، فالأحزاب المنشغلة بحالة الترهل التي تسود المشهد السياسي الفلسطيني لم تعد النساء ولا حقهن في المشاركة السياسية أولوية بالنسبة للغالبية منها إلا من بعض أنشطة متفرقة.
وخلافًا لعدد قليل جدًا من القوائم التي وضعت النساء في مواقع متقدمة؛ اكتفت باقي القوائم بالالتزام الجامد بوضع النساء في الترتيب الخامس رغم أن القانون يتحدث عن ضرورة وجود المرشحات ضمن الأسماء الخمسة الأولى ومن ثم مضاعفات العدد خمسة.
تهميش
في مقابلة مع نوى تؤكد زينب الغنيمي، مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة؛ إن ما حدث كان متوقعًا وتم التحذير منه، فالقوى السياسية وقوائم المستقلين غالبًا تنطلق من المنطق الذكوري وهذا ما تجسّد فعليًا.
وعلى الرغم من المطالب النسوية بأن تكون الكوتا النسوية هذه المرة 30% بما بتوافق مع قرار اللجنة المركزية؛ عوضًا عن 20% في الانتخابات السابقة إلا أن القوائم لم تلتزم؛ ومع أن بعضها حسب الغنيمي رفعت ترتيب النساء إلى ما قبل الخامس، لكن عددها كان محدودًا أما الباقي فقد التزموا الحد الأدني لأن اللجنة المركزية للانتخابات لن تقبل قوائم ليس فيها نساء.
إن انشغال المؤسسات النسوية في قطاع غزة خلال السنوات الثلاث الماضية، بتنفيذ برامج ومشاريع ذات علاقة برفع تمثيل النساء في الأحزاب السياسية وتأهيل قيادات نسوية شابة؛ لم ينعكس على الأرض عند أول تجربة انتخابية رغم ما كان يبدو على أنه تعاون من قبل الأحزاب مع المؤسسات في هذا الإطار.
"الأحزاب ليست صادقة"، هكذا ردت الغنيمي لدى سؤالها عن المشاريع التي تم تنفيذها مع الأحزاب؛ وزادت :"المؤسسات عملت من خلال مشروع قفزة للأمام على تشكيل قيادات نسوية وعملت مع القوى السياسية على الأنظمة الداخلية ليتم تعديلها لضمان وجود النساء وتم إعداد وثيقة وقّعوا عليها القيادات ذوي الفكر المتقدم ومن يقفوا خلفنا في الوقفات النسوية، ولكن مرة أخرى عند المصالح يتم التجاهل".
وعزت الغنيمي بحث الأحزاب عن نساء من خارجها إلى ضعف وجود النساء داخل الأحزاب أصلًا، وهذه تعكس إشكالية عدم ثقة النساء بالأحزاب، فذات الكفاءة هجرت الحزب لأنها لم تشعر بالإنصاف،،، مضيفة إن النساء لم يشاركن أيضًا في اختيار القوائم.
كان بالإمكان أكثر
تتفق اعتماد الطرشاوي القيادية في حركة حماس مع الغنيمي في الرأي بعدم الرضا عن درجة تمثيل النساء في القوائم المترشحة للانتخابات البلدية، مضيفة:"كنا نفضّل لو كان هناك أعدادًا أكبر من النساء" متسائلةً :"لماذا توقفوا عند ثلاثة نساء في كل قائمة لماذا ليس خمسة مثلًا؟!!!".
وتعتبر أن نظام الكوتا كان رافعة للمرأة في الانتخابات بسبب الفهم الاجتماعي حول المرأة في العالم العربي، إلا أنها انتقدت التزام القوائم بوضع النساء ضمن الرقم خمسة ولم تقدّم شيئًا أفضل.
حتى القوائم التي دعمتها حماس كما تؤكد الطرشاوي كانت مثل باقي الفصائل، رغم أن بعضها شهد تقدمًا فقائمة غزة مثلًا وضعت النساء في الترتيب الثالث والثامن، وهذا يدل على أن الكوتا أجبرت الأحزاب التي ما زال فهمها تقليديًا لمشاركة المرأة، ولولا ذلك ربما لم يفكروا في وجودها أساسًا.
حركة حماس وجدت نفسها في وضع يعفيها من تقديم إجابات حول مشاركة النساء؛ فهي لم تقدم قوائم باسمها وإنما دعمت قوائم يحمل أصحابها ميولًا قريبة من الحركة، بالتالي لم تحمّل نفسها عبء القصور الذي شاب هذه القوائم كما باقي الفصائل.
تقول الطرشاوي:"حماس اتخذت قرارًا واضحًا بأنها ستعمل على إنجاح العملية الانتخابية ولم تقل أنها ستشارك، هي رأت أن هناك قوائم أقرب لها فدعمتها، وهذا ليس غيابًا لنساء التنظيم".
تؤكد الطرشاوي إن النساء في حركة حماس قادرات على خوض انتخابات وتلبية احتياجات الناس وكانت انتخابات 2005 و 2006 خير شاهد على ذلك، نافية في الوقت ذاته أن النساء عزفوا عن المشاركة في الترشح.
إحباط
اعتدال أبو قمر القيادية في حركة فتح أيضًا عبرت عن عدم رضاها عن تمثيل النساء في القوائم الانتخابية بما فيها قوائم حركة فتح، معتبرة أن ما رأته كان محبطًا.
تقول أبو قمر إن الحركة النسوية كانت تطالب بأن يكون ترتيب النساء أعلى، وكان من المفروض الوصول لنتائج طيبة عند تشكيل القوائم لكن هذا لم يحدث.
تضيف :"على مستوى حركة فتح يبدو أنه كما باقي القوائم ليس فيها تمثيل مرضي للمرأة الفتحاوية، معظمها جاء في الرقم 5 وقليل من جاء في ترتيب أفضل"، وتضيف بامتعاض إن بعض النساء حتى جاءت في ترتيب أبعد فإحدى المرشحات مثلًا كان من المقرر أن يكون ترتيبها خامسًا لكن عند إعلان القوائم وجدت نفسها في الترتيب التاسع.
ولم يتوقف الانتقاد عند حد التمثيل المتواضع للنساء كمرشحات، فحسب أبو قمر حتى وجود النساء في اللجان التي اختارت المرشحين كان تواجدًا شكليًا، مضيفة:"النساء لم يكونوا عازفات عن المشاركة بالعكس هناك من كانت لديهن الرغبة وفوجئت لعدم حصول النساء على مراكز غير متقدة في القوائم".
تؤكد أبو قمر أن هناك الكثير من النساء ذوات الكفاءة، فرغم حصول النساء على مواقع جيدة في الانتخابات الاقليمية إلا أن هذا لم يتم تجسيده في القوائم الانتخابية، معتبرة أن الوضع تراجع عما كان عليه الحال في انتخابات 2006م.
إن الواقع المخيب للآمال الذي ظهر عليه تمثيل النساء في القوائم الانتخابية يطرح تساؤلات كبيرة حول حجم الضرر الذي لحق بإنجازات المرأة بسبب ترهّل الحالة الفلسطينية، ويشير إلى ضرورة التوقّف بمراجعات جدية مع الأحزاب الفلسطينية وقوى المجتمع الفاعلة حول البرامج التي تم وضعها لتمكين النساء من الوصول لمواقع صنع القرار وعدم الاكتفاء باعتبارها ناخبة فقط.
