إذا أردنا التعرف على «خطة ليبرمان» وأفكاره «النيرة» علينا قراءة الأصل، والأصل هو أفكار نتنياهو الذي أجرى لقاءات مكثفة مع الإعلاميين الإسرائيليين من مختلف الاتجاهات السياسية وعبّر عن تلك الأفكار بشكل وبآخر. وفي لقائه مع إعلام أقصى اليمين قال نتنياهو: «لم نتنازل عن أي شبر»، ولم تعد الدولة الفلسطينية مطروحة على الأجندة الدولية». هذا هو بيت القصيد وما عداه يندرج في إطار مناورات وكلام لا معنى له، كالحديث عن استعداده للدخول في عملية سياسية مبهمة، وقد بدا وكأنه صاحب مبادرة حين دعا الرئيس أبو مازن للاجتماع به على عجل بدون شروط مسبقة، في الوقت الذي رفض فيه التحضيرات التي تسبق اللقاء. نتنياهو لا يملك حلاً سياسياً يمس الاحتلال ولا يريده أبداً، انطلاقا من «أيديولوجيته المتشددة والمتطرفة» أو كما يقول جدعون ليفي: لا يؤمن بأي سلام مع الفلسطينيين ويعمل لإخضاعهم عن طريق التحالفات التي تقام مع أنظمة وزعماء عرب». سياسة الإخضاع المعتمدة من قبل نتنياهو تستند الى بند أساسي وهو : تعطيل أو تحييد كل مسعى دولي لإقامة دولة فلسطينية، يكون بديلا لإخضاع الشعب الفلسطيني المعمول به.
وكان نشاطه في هذا المجال واسعا وحثيثا، فقد بلغ عدد الذين التقى بهم 144 مسؤولاً دولياً. ويحصر نتنياهو نشاطه الآن في حلقتين: الحلقة الأولى إفشال المبادرة الفرنسية بأي شكل من الأشكال، والحلقة الثانية، الحيلولة دون تقديم مبادرة قد يقدمها الرئيس الأميركي باراك أوباما حول حل الدولتين، أو تقييد تلك المبادرة بشروط تفقدها أي مضمون جدي. هل ينجح نتنياهو في ذلك؟ حتى الآن يبدو صوت نتنياهو هو الأعلى في الوقت الذي انخفض فيه الصوت الدولي كثيراً. أما الإخضاع الميداني فقد تركه نتنياهو لوزير دفاعه أفيغدور ليبرمان الذي قدم خطة بمسمى «العصا والجزرة»، ذلك المسمى الذي ينتمي الى عهود الاستعمار الغابرة. قد تكون سياسة العصا والجزرة «الليبرمانية» مأخوذاً بها في التعامل مع الشعب الفلسطيني ما قبل الإعلان عنها وتحديدا في سنوات حكم نتنياهو وتجربة «روابط القرى»، لكن الإفصاح عنها بهذا الصلف والاستخفاف وبدون لف ودوران، يعبر عن تجرد الحكومة الإسرائيلية من كل الاعتبارات والمعايير الأخلاقية واعتمادها لسياسة شريعة الغاب في القرن الـ 21 كأبشع تجليات توحش العصر. فعندما يجرد شعب من حقوقه المعترف بها من الأكثرية الساحقة من دول العالم، تلك الحقوق منسجمة ومتوافقة مع حقه في تقرير مصيره وفي مقدمة ذلك تحرره من الاحتلال العسكري الكولونيالي.
يصبح الفلسطيني كفرد وكشعب أمام خيار الخنوع الكامل للاحتلال ضمن علاقات تمييز وعبودية وبين تلبية بعض من حقوقه الطبيعية غير المشروطة بمفهوم منظومة الحقوق المعتمدة كونياً. وبعبارة أُخرى يسمح للفلسطيني أن يأكل ويشرب ويعمل ويذهب الى المدرسة مقابل تراجعه عن حريته وتحرره وخلاصه من سيطرة كولونيالية شاملة وحكم نفسه بنفسه، مقابل حصوله على ما تحصل عليه الحيوانات! ليبرمان بهذا المعنى يشطب كل الحقوق الوطنية الفلسطينية ويسيطر على ويسلب كل الموارد الفلسطينية، وفي الوقت نفسه يقايض شعباً بأبسط سبل الحياة. الخبز والحركة والعمل مقابل الخنوع الذليل، ومن لا يقبل سيتعرض لحساب عسير. مقايضة الدول العظمى للشعب العراقي، «الدواء والغذاء مقابل النفط»، وكان من نتيجتها موت 10 آلاف طفل عراقي خلال ذلك الحصار فضلا عن إذلال وقهر الشعب العراقي – وليس نظام صدام-. وكان من نتائجه ازدهار تنظيم القاعدة ومن بعده تنظيم داعش وسط بيئة شعبية مدمرة القيم، بعد أن تناوب عليها نظام مستبد، وتدخل قوى الهيمنة الباطشة. لا يتوقف ليبرمان وزير الخارجية سابقاً ووزير «الدفاع» الآن الذي سكن ويسكن داخل مستعمرة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، عند التجارب الاستعمارية السابقة والحديثة، ولا يتوقف عند تجارب الحكم المستبد الذي نكل بالشعوب وعمل على إذلالها وقهرها، لم يتوقف عند تجربة احتلاله في محاولات إخضاع الشعب الفلسطيني لا سيما تجربة روابط القرى. وعدم التوقف، تلك خاصية القوى المتعجرفة والعنصرية التي تعتمد فقط على بند واحد وحيد هو القوة والمزيد من القوة. القضية الخطيرة الأخرى في «خطة ليبرمان» هي تكريس عودة الحكم العسكري وأداته «الإدارة المدنية» في الضفة الغربية، وتجاوز السلطة والإتيان على ما تبقى لها من صلاحيات ثانوية، فقد أصبحت السلطة في بنود الخطة غير ذي صلة. وهذا يعني القطع التام مع اتفاق أوسلو الذي جرى استخدامه من طرف واحد لتعميق الاحتلال والاستيطان. يعتقد ليبرمان والاتجاه الرئيسي في الحكومة أنه آن الأوان لوضع السلطة أمام خيار التحول الى روابط قرى «أداة طيعة ومنصاعة لإرادة الاحتلال، أو خيار بناء روابط قرى جديدة «جرى وضع قائمة بأسماء المرشحين لها تضم ( مثقفين ورجال أعمال وأكاديميين فلسطينيين)، واعتماد موقع إنترنت للتواصل مع قاعدة عريضة من الفلسطينيين. وفي الحالين يعتمد ليبرمان على القوة الباطشة التي تحمل عصا وجزرة.
التراجع عن اتفاق أوسلو الذي قيد الوضع الفلسطيني برمته والذي لم يعد يقبل به إلا أقلية، والذي وظف داخليا وخارجيا لمصلحة دولة الاحتلال. التراجع عن هذا الاتفاق يعني الانتقال الى مرحلة جديدة من عملية تدمير كل ما تبقى من مقومات الانسلاخ عن الاحتلال في إطار كيان فلسطيني حتى بمفهوم الحكم الذاتي والدولة المسخ الملحقين بدولة الاحتلال التي اعتمدت وما زالت تعتمد من المعسكر الصهيوني وبعض امتداداته في قوى الوسط الإسرائيلي. الصهيونية الدينية واليمين العنصري الذين يسيطرون على الحكم يعملون الآن على تصفير العداد والبدء من جديد على طريقتهم الخاصة وبالاستعداد الى أيديولوجية أرض إسرائيل الكاملة والحق التاريخي اليهودي التي لا مكان فيها للشعب الفلسطيني. لا أحد يقول إن ليبرمان سينجح، ولا هو ورئيس حكومته بنيامين نتنياهو من السذاجة للاعتقاد بأنهما سيكونان روابط قرى جديدة. الخطورة تكمن في تحويل قضية الاحتلال الى قضايا فرعية لا حصر لها، والتي تسهم بشكل وبآخر في المزيد من إضعاف وتشتيت الوضع الفلسطيني والاحتفاظ بزمام المبادرة السياسية.
الضعف الفلسطيني سمح بخروج مبادرة استفزازية من هذا الطراز، والمزيد من الضعف الفلسطيني سيمكن دولة الاحتلال من شطب حق تقرير المصير وفي مقدمته الخلاص من الاحتلال. واستنادا لذلك فإن أقصر الطرق لإفشال خطة ليبرمان – نتنياهو هو استعادة وتفعيل وبناء عناصر قوة فلسطينية بمبادرات جريئة ومسؤولة، ومن لا يفعل ذلك فإنه يساهم في إنجاح تلك المشاريع المدمرة. وستكون البداية بتنظيم احتجاجات جماهيرية ( مسيرات واعتصامات وعرائض ) ضد الابتذال الإسرائيلي الجديد. [email protected]
