عندما صرخت أم حبيبة "بيعوا دمي وعيّشوها"
تاريخ النشر : 2016-04-20 20:01
جانب من جلسة الاستماع لشهادات الضحايا

غزة-نوى-شيرين خليفة:

حتى اللحظة ما تزال أم حبيبة الغلبان تتذكّر بكل التفاصيل تلك اللحظات العصيبة حين أصيبت ابنتها الوحيدة حبيبة بشظايا صواريخ الاحتلال الإسرائيلي خلال عدوان عام 2014 عندما تم قصف منطقة سكناهم المدنية بالصواريخ الحربية في انتهاك فاضح للقوانين الدولية التي تجرّم ذلك، تاركة حبيبة ذات الخمس سنوات في حالة خطيرة وما نتج عنها في وقت لاحق من أضرار نفسية جسيمة على الطفلة التي أنجبتها والدتها بعملية أنابيب بعد 23 عامًا حرِمت خلالها من الأمومة.

شهادة السيدة الأربعينية أم حبيبة قدّمتها خلال المؤتمر الدولي السادس لبرنامج غزة للصحة النفسية وحقوق الإنسان، والذي قدّم على مدار يومين العديد من الدراسات حول وضع الصحة النفسية في قطاع غزة بعد العدوان، وكان من بين محاوره شهادات حية لضحايا عانوا من بطش آلة الإجرام الإسرائيلية وقدمته الحقوقية الأمريكية بام بيلي.

تروي أم حبيبة وهي من سكّان قرية الزوايدة غرب قطاع غزة؛ تفاصيل ما حدث معها :"أنا أم الجريحة حبيبة، طفلتي الوحيدة التي أنجبتها بعد 23 عامًا، أجريت عملية أنابيب فشلت قبلها خمس عمليات حتى رزقني الله طفلتي الوحيدة حبيبة".

بكل الحب الذي يعتمل في قلبها لابنتها الوحيدة حملت أم حبيبة ابنتها ومنذ بداية العدوان الإسرائيلي خارج منطقة الزوايدة خوفًا من تعرض منزلهم الأسبستي البسيط للقصف، وعاشت مع قرابة أربعين من أقاربهم حيث رحل إليه العديد من أفراد العائلة فرارًا من العدوان.

حين تم التوصل مع الاحتلال إلى هدنة ليوم واحد، عاد الناس إلى منازلهم لأخذ ما يلزمهم من ملابس وطعام والاطمئنان على منازلهم بتاريخ 21/7/2014 إلا أن الاحتلال غدر بهم وانقلب على التهدئة وبدأ بقصف المناطق المدنية بالصواريخ الحربية.

تصرخ أم حبيبة:"حملت ابنتي دون وعي وجريت بها بسرعة جنونية، لكنها كانت مصابة والدماء تغرقها، نقلنا الإسعاف إلى مستشفى شهداء الأقصى وأنا أصرخ وهناك تم قصف قسم الاستقبال فكادت تصاب مجددًا حتى وهي في حالة خطيرة".

جن جنون الأم الرؤوم لغزارة الدماء النازفة من ابنتها ذات الخمس سنوات، حالتها خطيرة، المستشف يتعرض للقصف، لا فائدة من محاولات الأطباء، لا بد من نقلها إلى مستشفى الشفاء بمدينة غزة، وهذا يعني أن يمر الإسعاف بالضرورة من شارع صلاح الدين الواقع شرق مدينة غزة، حيث الأوضاع أكثر خطورة.

بحنق وقد بدأت الدموع تغرق وجهها تقول أم حبيبة:"ركبنا الإسعاف الأول فترض للقصف، ومن ثم استخدمنا إسعاف آخر، خرج بنا بسرعة في شارع صلاح الدين، تعرض للقصف ثلاث مرات بقنابل الغاز ولم يتوقف، وصلنا مستشفى الشفاء بمعجزة، لكن حالة حبيبة ما زالت خطيرة، أنقذوها من الموت ولكن بقيت مصابة".

فقدت حبيبة ساقها وبقيت آثار الشظايا في قدمها ويديها وظهرها، حبيبة ما زالت تحتاج إلى العلاج خارج غزة، لكن أمها ما زالت تطالب باستكمال علاج ابنتها التي تعاني آثار الصدمة التي تعرضت لها.

تصرخ أم حبيبة موجهة حديثها إلى الحقوقية ام بيلي لتطالبها بحمل رسالة الأم الفلسطينية للعالم كله:"نحن لا نريد مساعدات مالية ولا إغاثات، فقط دعوا أطفالنا يعيشوا ويعالجوا ككل الأطفال، هل تعرفون معنى أن أعيش محرومة من الأمومة مدة 23 عامًا ثم أخاف على ابنتي من الموت، أنا لا أريد شيئًا أريد لحيبة أن تعيش "مستعدة أبيع دمي وتعيش حبيبة"".

بحرقة قلب الأم تكمل:"حبيبة التي لم تتجاوز خمس سنوات عاشت ثلاثة حروب أولها عدوان عام 2009 حين كانت تبلغ من العمر 20 يومًا، وكدت أفقدها في كل لحظة، ثم عدوان عام 2012 حين كانت عامين فقط، لتأتي الحرب الثالثة فتصاب ابنتي بكل هذه الإصابات الخطيرة".

طوال حديث الأم لم تتكلم حبيبة بكلمة واحدة، فقد منعتها حالتها النفسية الصعبة من التحدث سوى التعبير عن قهرها بالدموع، فاحتضنتها الحقوقية الأمريكية، معلنة اعتذارها عن كل ما يعانيه الأطفال هنا.

صدّقوا أن حبيبة حين تذهب إلى الأفراح تغلق أذنيها بالقطن كي لا تسمع أصواتًا عالية فهي تذّكرها بصوت القصف، صدقوا أن حبيبة كل ما تريده أن تمارس حقها في اللعب ككل أطفال العالم، بهذه الكلمات تحدثت أم حبيبة التي تضيف:"نريد من العالم أن يفهم أننا لا نريد سوى العيش في بيوتنا بكرامة وأن يعيش أطفالنا بأمان، أنا أشعر بكل أم في كل منطقة تتعرض لعدوان لأني أخاف على ابنتي".