"الاستيطان" يضم إسرائيل
تاريخ النشر : 2013-03-23 16:08

دأت أذرع الاستيطان، بعد أسابيع من هزيمة العام ١٩٦٧، تنمو في الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة وقطاع غزة، وإن كانت البداية تسير بحذر شديد وخطىً بطيئةٍ جداً.
كانت انطلاقة الاستيطان في جبل الخليل، حيث قدمت طلائع المستوطنين في العام ١٩٦٨، وأقامت في إحدى فنادق المدينة مخطط إقامة مستوطنة "كريات أربع".
سبق ذلك قرار تهويد القدس العتيقة، من خلال هدم حارة المغاربة الملاصقة لحائط البراق تدريجياً إلى أن أصبحت بعد أقل من ثلاث سنوات أثراً بعد عين. وتم توسيع ساحة البراق (ساحة المبكى حسب التعبير الإسرائيلي) ومن ثم إقامة الحي اليهودي الذي خلق وجوداً استيطانياً ديمغرافياً ممتداً من باب المغاربة أحد أبواب المسجد الأقصى باتجاه خط الهدنة في القدس الغربية.
حزب العمل هو الذي شرّع الاستيطان أو بمعنى آخر النظام السياسي الإسرائيلي القائم على الطبقة الوسطى والعليا (النخبة) من الأشكناز اليهود القادمين من الدول الغربية: أوروبا وأميركا وجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، (وهو الحزب الذي كان يمثل اليسار، ويسار الوسط الإسرائيلي).
كانت مفاهيم حزب العمل حول الاستيطان تتبلور أساساً على أنه استيطان أمني، الهدف منه خلق أحزمة أمنية للدفاع عن الدولة اليهودية في حال تعرضها لهجوم من الشرق.
سرعان ما كشفت أكاذيب حزب العمل وقادته الذين كانوا غارقين في مفهوم الاستيطان الأيديولوجي والاقتصادي، فعلى سبيل المثال، فإن مستوطنات الأغوار في معظمها تندرج تحت مفهوم الاستيطان الاقتصادي وليست لها أي علاقة بالمفهوم الأمني، إلا من خلال مصادرة الأراضي ونهب مصادر المياه لصالح مجموعات من المزارعين الإسرائيليين الذين استخدموا هذا الاستيطان وما زالوا.. ولعل المزارع الاستيطانية الممتدة والمتنوعة بزراعتها المبكرة على طول الأغوار وعرضها لهي أكبر دليل على ذلك.
يمكن تحديد المرحلة الأولى للاستيطان ببداية العام ١٩٦٨ وحتى منتصف سبعينيات القرن الماضي، في هذه الفترة كان هناك اختيار وانتقاء واضح للمستوطنات وسيطرة كاملة من الجيش والحكومة على مكوناتها كافة.
تغيرت المعادلة الاستيطانية في نهاية السبعينيات مع سيطرة حزب الليكود على السلطة في إسرائيل والذي جاء مدعوماً بشكل واضح من اليهود الشرقيين والسفارديم، بحيث بدأت المفاهيم الأيديولوجية تظهر بشكل واضح، وخاصةً في محافظات نابلس وسلفيت وقلقيلية، فلم تبق تلة أو جبل أو أرض سهلية إلا وطالها الاستيطان، فيما أصبحت القدس الفلسطينية محاصرةً بكمٍّ هائل من المستوطنات، بحيث أصبحت المستوطنات تشكل كتلاً واضحة المعالم.
الكتلة الأولى في جبال نابلس الممتدة باتجاه الغرب، الكتلة الثانية كتلة عتصيون امتداداً من جبال بيت لحم وحتى جبال الخليل، الكتلة الثالثة المستوطنات المحاصرة للقدس.
وعلى الرغم من ذلك، فقد كانت هناك إشكاليات خلال هذه الفترة ربما للمستوطنين أكثر منها للمستوطنات، على اعتبار أن الاستيطان ينمو على حساب المصالح الاقتصادية والاجتماعية وكافة الفئات الإسرائيلية الأخرى التي تقيم داخل الخط الأخضر (حدود العام ١٩٤٨).
تناولت الصحافة الإسرائيلية والكتاب الإسرائيليون هذا الموضوع بإسهاب بل وبأوصاف قاسية للمستوطنين الذي يعيشون على دم القادمين الإسرائيليين ويحظون بامتيازات يجب ألا تعطى لهم .. وربما تشكلت في حينه فئات وأحزاب صغيرة ومنظمات إسرائيلية تصور المستوطنين على أنهم أعداء السلام، وأنه لا بد من إزالة المستوطنات من أجل تحقيق سلام عادل وشامل.
المرحلة الثالثة، وهي الأخطر، بدأت بعد اتفاقات أوسلو وشق الشوارع الاستيطانية وشرعنة الاستيطان في كل الأراضي الفلسطينية وبشكل أساسي في القدس المحتلة.. ولم يعد هناك أي محاذير أو خطوط حمر، حتى المدن الفلسطينية تم استيطانها كما حصل في الخليل.
الاستيطان حوّل الضفة الغربية إلى مجموعة من الكانتونات المحاصرة بالبناء والشوارع والمناطق الصناعية اليهودية بحيث إن الامتداد الديمغرافي للأراضي المحتلة عام ١٩٦٧ لم يعد إمكانية سهلة.
أصبح المستوطنون خلال السنوات الماضية هم طليعة المجتمع الإسرائيلي وحماته، بل هم قادته الفعليون، وهم الأكثر تأثيراً في صنع السياسات الحكومية، ما انعكس بشكل واضح على تكثيف الاستيطان وجعله أمراً واقعاً؛ لوقف أي إمكانية لحلول مستقبلية فيما يطلقون عليه "أرض إسرائيل"، وأيضاً على التمويل الضخم، ومع بداية العام ٢٠١٣ وعودة حكم الأشكناز القائم على قاعدة المستوطنين بالأساس، بحيث إن المجتمع الإسرائيلي الذي تطرّف بشكل كبير نحو اليمين أصبح يعتقد أن الاستيطان هو الذي يضم إسرائيل، وليست إسرائيل، التي كانت تحاول بشتى الوسائل ضم المستوطنات.