سفاح القُربى.. عقوبات مخففة بمقتضى القانون !
تاريخ النشر : 2015-07-20 12:04

غزة-نوى-نور السويركي:

لم يهدأ لها بال حتى أطل النهار برأسه يقارع أفكارها التي ما استكانت منذ أيام و ربما أسابيع،  ارتدت عباءتها السوداء على عجل فيما لم تهتم بكيفية تجميل حجابها وخرجت مسرعة نحو أحد المراكز الصحية النسوية في قطاع غزة، طالبة استشارة عاجلة وهي تحاول إنكار أفعال ابنها، جلست هناك تروى ما يفعله مع أخواته القاصرات الأربع من أفعال تحرش جنسي صارخ، وكيف أنها تلاحظ هذا الأمر منذ أيام بصورة واضحة، مما جعلها لا تنام الليل حتى قررت التوجه لطلب النصيحة، لعلها تنقذهن و تصلح سلوك ابنها الضال.

أما تلك القاصر، والتي طُلقت والدتها لسوء سمعة أهل زوجها، أرسل الأب الأولاد لأمهم، واحتفظ بالبنت التي تعاني من تخلف عقلي بيئي واضح، حبسها والدها داخل قفص حديدي في البيت، ثم اغتصبها بشكل متكرر مما أسفر عن حملها، في أحد أيام العدوان 2014, ترك باب البيت مفتوحاً سهواً، فضول إحدى الجارات دفعها للدخول، وجدت البنت على حالها، وتم إبلاغ الشرطة التي ألقت القبض عليه، سُجن الأب والأعمام للتحقيق معهم، أما جدتها وعماتها عذبوها بأسوأ الطرق لإجهاضها، استغلوا تخلفها وشككوها في أقوالها, فأصبحت تتراجع عنها وتغيرها، حتى أتمت السن القانوني فسقطت القضية وأصبحت متهمة حالها حال الجاني، لاحقاً خرج والدها بكل سهولة من السجن فيما عادت هي لذات العائلة!.

وتلك الفتاة الجامعية، التي تتنقل من بيتها للجامعة كأي فتاة في عمرها، لا يعلم أحد أنها ترفض التقدم بشكوى رسمية أو إبلاغ أحد والديها باغتصاب أخيها الأكبر لها وهي في المرحلة الثانوية، واستمرار محاولات تحرشه بها حتى اليوم، مكتفية بالبوح لإحدى الأخصائيات العاملات في مؤسسة ما، و الاحتياط  بالنوم وتحت وسادتها سكين!

 

 

تزايد ملحوظ

زينب الغنيمي مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة قالت: "أعداد الحالات التي تصل المركز من الاغتصاب وتحديداً سفاح القربي بمعنى الاغتصاب من أحد الأقارب، في تزايد، و الأسباب وراء ذلك عديدة منها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية".

وتابعت:" قانون العقوبات وضع عقوبات رادعة لجريمة الاغتصاب وهي 14 سنة، فيما حدد عقوبة سفاح القربي بخمس سنوات، على الرغم من أن أصل الجريمة خاصة في المرة الأولى لحالات السفاح، وهو الاغتصاب حيث يتم بالقوة والتهديد".

وأضافت:"إن عملية الاغتصاب أو السفاح تتم بطرق غير شرعية وغير سوية، و تسبب أمراض نفسية و جسدية، كما أن المغتصبات منذ الطفولة بشكل متكرر يصلن إلى مرحلة الشبق الجنسي المرضي، وللأسف القانون يظلمهن، والسجون تتعامل معهن كمذنبات وليس كضحايا، دون تقديم أي تأهيل أو علاج نفسي".

يشار إلى أن قانون العقوبات ميز في مواده أنواع العقوبة للجاني، حيث اعتبر الاغتصاب من خارج الأسرة جناية يعاقب عليها بالحبس 14 سنة كحد أقصى، فيما اعتبر الاغتصاب داخل الأسرة الواحدة (السفاح) جناية يعاقب عليها بالحبس 5 سنوات كحد أقصى, وفي ذلك تمييز واضح حسب وضعية المُعتدى عليها إذا كانت قاصراً أو غير متزوجة، أو متزوجة، أو حسب درجة قرابة الجاني، على الرغم من أن أصل الجريمة واحد(الاغتصاب).

العلاج والتوعية

الأخصائية النفسية وفاء عيد، اتفقت مع الغنيمي:"إن المغتصبات بحاجة لبرنامج علاج نفسي طبي اجتماعي تفريغي متكامل، وخاصة المغتصبات من أحد أفراد العائلة وتحديدا الأب، فهن الحلقة الأضعف".

وقالت:"أعمل منذ ما يقارب ثلاثة عقود, الحالات مؤخراً في تزايد ولا أحد يتطرق للموضوع، إحدى الحالات اكتشفناها ونحن في حملة توعية في مدرسة ابتدائية، الطفلة ظنت أن هذا أمر طبيعي بين الأب وابنته، وأن جميع الآباء وبناتهن يقومون بتلك الأفعال".

 وتتذكر عيد، حالة من أصعب الحالات التي تعاملت معها، "لن أنسى أبداً يوم أحضروا لي طفلة في ال16 من عمرها وهي بلباس المدرسة تحمل شنطة مثقلة بالكتب والدفاتر، وحامل سفاحاً من والدها الذي اغتصبها في ظل غياب أمها المطلقة، كانت ضئيلة الجسد، وصامتة لدرجة البُكم جراء الصدمة النفسية، ولذلك يجب تكثيف حملات التوعية والتثقيف، وتطبيق عقوبات رادعة على مرتكبي جرائم السفاح".

وتابعت:"وقع الجريمة على قاصر لا تعي أنها اُغتصبت، تترك أثراً أكبر من المغتصبات الراشدات، فنتيجة تكرار الجريمة واعتياد الطفلة عليها، يصبح من الاحتياجات اليومية الفسيولوجية لها، ويصبح تعديل سلوكها أصعب بكثير، كما أنها تفقد اهتمامها بقيمة جسدها وخصوصيته وتصبح على استعداد لبيعه وامتهان الدعارة".

رادع مفقود

المحامي جمال حويلة، يعمل محامياً جنائياً منذ 30 عاماً في محاكم قطاع غزة قال:" قانون العقوبات رقم (74) لعام 1936 المطبق في قطاع غزة, وضع عقوبة رادعة في جريمة الاغتصاب المادة (152)، ولكنه خففها في سفاح القربى المادة (155), على الرغم من أن الاغتصاب من داخل العائلة أكثر بشاعة وضرراً ".

وتنص المادة (155) من قانون العقوبات المعمول به في قطاع غزة , وهي مادة السفاح, "على أن كل من واقع بنتاً غير متزوجة تجاوزت السادسة عشرة من عمرها ولم تتم الحادية والعشرين مواقعةً غير مشروعة أو ساعد أو عاون غيره على مواقعتها مواقعة غير مشروعة وكانت البنت من فروعه أو من فروع زوجته أو كان وليّها أو موكلاً بتربيتها أو ملاحظتها، يعتبر أنه ارتكب جناية ويعاقب بالحبس مدة خمس سنوات".

وتابع:" للأسف واقع العمل و إقرار العقوبات في المحاكم في هذه القضايا ضعيف، إحدى قضايا الاغتصاب التي عملت عليها عقد ذوو الجاني والضحية صلحاً، فأطلق القاضي سراحه، وفي إحدى قضايا السفاح والتي حصل فيها حمل من الأب، خفف القاضي العقوبة لسنة واحدة فقط!, وهذه العقوبات لا تتناسب أبداً مع بشاعة الجريمة".

وعلل أسباب تخفيف العقوبات في محاكم قطاع غزة قائلاً: "قانون العقوبات نفسه فيه اشكاليتين في عقوبة الاغتصاب والسفاح، الأولى أنه لم يحدد حد أدنى للعقوبة، فقط حدد  الحد الأقصى للعقوبة الذي لا يجوز تجاوزه، فعقوبة السفاح خمس سنوات لا يجوز تجاوزها ولكن للقاضي سلطة تقديرية للتخفيف منها!"

وأضاف غاضباً:"ثاني إشكالية هي أن قانون العقوبات نفسه أجاز للمحكمة سلطة تقديرية لتخفيف العقوبة وهو ما يعمل به القضاة في محاكمنا، متهاونين وغاضين البصر عن خطورة تخفيف العقوبة  في ظل ارتفاع معدلات الجرائم الجنسية".

وبالرجوع للقانون فإن المادة (39) المتعلقة بالحبس في قانون العقوبات, تمنح المحكمة السلطة الخيار في أن تحكم بأية عقوبة, حيث تنص "(2) إذا ثبت على شخص ارتكاب جرم يستوجب الحكم عليه بالحبس المؤبد أو الحبس لمدة أخرى فيجوز للمحكمة أن تحكم عليه بالحبس لمدة أقل من ذلك".

ومن الجدير ذكره أن السلطة الوطنية الفلسطينية عملت على إقرار نص مشروع قانون عقوبات فلسطيني جديد في العام 2010، يأخذ على عاتقه تحقيق مزيد من العدالة للنساء، لكنه لا زال حبيس الأدراج في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني، بينما لا زالت ضحايا سفاح القربى رازخاتٍ تحت وطأة قانون عقوبات جائر، فإلى متى سيتواصل مسلسل العنف ضد المرأة بمقتضى القانون!.