إسرائيل انسحبت. إسرائيل لم تخرج من مصر إلا باتفاقية سلام ونزع سلاح سيناء....إسرائيل خرجت من لبنان بدون اتفاقية سلام، وسلاح جنوب لبنان يزداد يوما بعد يوم، وإسرائيل خرجت اليوم من غزة بدون اتفاقية سلام، وسلاح غزة يزداد يوما بعد يوم. أوسلو سقطت عمليا، ولا بد أن تسقط كامب ديفيد وشيكا، فقد قامت الحجة بنا على الأمة
****
المقاومة اللبنانية منذ انتصارها في ٢٠٠٦ وهي تتعرض لمحاولات لبنانية وعربية لخنقها، وكان آخرها الحرب الأهلية السورية. حماية المقاومة أولوية للأمة كلها (حتى وإن اختلفنا إن كان الانخراط في الحرب يحميها أم يؤذيها ويؤذي الناس، والامتناع عنها يحفظها ويحقن دم الناس- أقول يبقى الحفاظ عليها أولوية، وأي إضعاف لها تقوية لإسرائيل)، والآن، فإن من المتوقع أن تتعرض المقاومة الفلسطينية لمحاولات خنق، من القاهرة والرياض، ربما بوسائل لا تختلف كثيرا عن تلك التي حاول بها القوم خنق المقاومة اللبنانية. حماية المقاومتين وتوطيد التعاون بينهما، واستعادة الحلف القديم، رغم كل ما جرى بين أطرافه، لا بد منه لسلامة الجميع. إن إسرائيل تهدد المقاومتين، والأزارقة الجدد يحكمون بكفرهما وردتهما ولا يفرقون بينهما، ومبارك الجديد حليف لإسرائيل أكثر من القديم. الهدف الاستراتيجي للمقاومتين واحد، والخطر الاستراتيجي عليهما واحد. كذلك فإن مصر، رغم كونها اليوم مستقرة في غيابة الجُب، يجب أن تتكون فيها حركة معارضة راديكالية تتبنى مشروع المقاومة، وإلغاء كامب ديفيد، علنا وبوضوح وبدون جمجمة ولا تأجيل، كما تتبنى خطاباً غير طائفي، وغير عرقي، وغير محدود بحدود الدولة الحديثة التي خلقها الاستعمار، يجمع هذه الأمة، بمذهبيها، ويكون سندا للمقاومتين في الشمال والجنوب، ومثل هذا آت لا محالة، وعن قريب.
****
القول بفرعونية مصر، أو فينيقة لبنان، أو آشورية سوريا، أو بابلية العراق هو تصور أوروبي، نابع من الإحيائية الأوروبية للثقافة الكلاسيكية الرومانية الإغريقية في قرن القوميات والتوسع الإمبراطوري الاستعماري، والكشوف الأثرية: القرن التاسع عشر. في هذا التصور بريطانيا وفرنسا هما روما أو أثينا، فلا بد أن يعطونا الأسماء التي عرف بها الرومان والإغريق أهل بلادنا. هو تصور يسمي المنطقة بأسماء زمن أغريقي-روماني، إنجيلي-توراتي، ويحيد اللغة العربية والثقافة الإسلامية كعنصرين مكونين للعصبية (الهوية السياسية إن شئت) لهذه البلاد. وبالإضافة إلى تقسيم الناس وخلق انتماءات سياسية، هي حرفيا، مستخرجة من القبور، فإن القول بفرعونية مصر وفينيقية لبنان وآشورية الشام، وبابلية العراق، يفتح الباب، أكثر من غيره، للقول بعبرانية فلسطين. وعلى القوميين العرب والإسلاميين بأنواعهم أن يدركوا، أن إقبال الناس عليهم كحركات سياسية كان دافعه ما يكمن في خطابيهما من نزعة توحيدية مناقضة لهذا الخطاب الاستعماري. وعليه فإن أي خطاب إسلام سياسي يفرق بين الناس مذاهب، أو أي خطاب قومي لا يعادي إسرائيل، يفقد معناه وسبب وجوده، ويتساوى في أثره مع الخطاب الاستعماري. كل من يفرقنا سنة وشيعة أو غير ذلك، وكل من يرى إسرائيل حليفا، فهو يقول قول الاستعمار، ويفعل فعله
من صفحة الشاعر تميم البرغوثي
