الـمـنـازلــة مـسـتـمــرة
تاريخ النشر : 2014-06-22 12:40

بقلم:ريما كتانة نزال

التجوال في معارض الأسرى عادة فلسطينية أصيلة وقديمة قدم التاريخ الفلسطيني، كأس يدور على جميع الناس، ليتناول كل فرد جرعته المخصصة. في معرض الأسرى، نحمل صور المخطوفين، نرقص بهم على الطريقة الفلسطينية في الساحات العامة، نضمهم إلى صدورنا، في أقرب نقطة إلى القلب. 
سجن كبير يضم في مركزه السجن الصغير، يقطنهما بشر من طينة واحدة، يتبادلون الأماكن باستمرار، وكلما حنّ القلب إلى الوصل، ومع الزمن أصبح السجن أحد مؤشرات العشق الفلسطيني، ومقياساً للتضامن بين الدائرة الصغيرة المغلقة، والثانية التي تقيس معدلات القمع، وبالتوافق بين الفئات والقطاعات، تفرز كل أسرة مندوباً عنها للتنقل بين دوائر الاعتقال، كقرابين تقدم في معركة تحرير فلسطين.
منذ شهرين، وبعد نجاح التجارب الفردية في صراع القوى المختل لصالح السجان، يصدر القرار النهائي من السجن الصغير عن عزم سكانه تجاوز العتمة، والغوص في مغامرة البحث عن الحياة في الموت، مع وضع الحسابات التي تقود إلى احتمالين لا ثالث لهما: إما الظفر بالحياة الحرة والكرامة، أو الظفر بالموت الحر اللائق. سجن صغير يتمرد على قضبانه، من أجل الانتقال إلى السجن الكبير المقسَّم حسب تسميات المدن والقرى، وإلى الأحياء المسوَّرة بالجدران الإسمنتية المسلحة والمؤثثة بالأسوار والحلقات.
إنها العادة الفلسطينية في طرق البحث عن فلسطين، الحبيبة المختطفة. والتفتيش عنها أمام أسوار تقبع خلف أسوار، وفي ساحات تصطدم بجدران تقطع أفق النظر والأمنيات، وكل خطوة يتم اجتيازها تقود إلى كتلة صلْدة من الإسمنت المحشو بالسلاسل والحديد، والخراسانات التي تضغط على الحياة والأحلام والأعصاب والهواجس، وبين سجن وآخر، وبين سور وسور، وشهيد وشهيد، وأسير وآخر، تتشكل معالم شخصية الإنسان الفلسطيني، وعلى إيقاعهم تولد ذاكرته البصرية. 
إضراب الأسرى الإداريين عبارة عن مقاربة الحياة بالموت، وعنوان جديد لمتوالية الانتفاضات الفلسطينية، من أجل صناعة شكل المستقبل، مائة وعشرون أسيراً يربطون أمعاءهم بالحديد الساخن، لإسماع العالم صوت الحق الواحد، جهوراً وقوياً: إما حياة تسرّ الصديق، وإما مماتُ يغيظ العِدى، يذهبون بكامل وعيهم الثوري إلى موت اختياري تتردد أصداؤه في طول الدنيا وعرضها، حالمين بطيّ صفحة الاعتقال الإداري إلى الأبد، وطامحين إلى تسجيل سابقة جديدة في تجارب انتصار الضعف على القوة المفرطة، ليوثق التاريخ علامة فارقة من أساطير البطولة، لرجال قرروا وضع رحالهم على جسر يفصل الأرض عن السماء، ويفتح أحد أبوابه على الأرض، ويفتح بابه الأخير على حدود السماء.
سلاح الجوع الفلسطيني مميّز وغريب، أسلوب خاص نال الاعتراف الدولي، وحاصل باسم العشق على شهادة "الأيزو" للجودة، لها دعاية تُعرض على جميع الشاشات بجميع اللغات واللهجات، صناعة وطنية مكلِفة ذات سمعة فلسطينية رفيعة، مصنوعة من المواد الأولية المحلية بالخلطات الفلسطينية النادرة، الحجارة والإطارات المشتعلة وخليط الماء والملح. تستمد مشروعيتها من التراث الأصيل، تخلو من عنصر التكتيك، مفاوضات على طراز الأحرار، ومن منهج سياسة حافة الهاوية، وتقاليد مستقاة من نهج "عليّ وعلى أعدائي يا رب"، وتراث "بيدي وليس بيد عمرو".
المنازلة مستمرة، وسيستخدم فيها كل طرف جميع أسلحته وإمكانياته، نحن وهم في الميدان، معهم أشباههم وأجزاؤهم العنصرية، ونحن معنا المؤمنون بنا وبقضيتنا. سيستمر الاحتلال في إنزال عقابه الجماعي بالجميع، من في داخل السجن ومن خارجه، وسيستمرون في خطف الرهائن وبخ السموم والدمار، ولن يتركوا خلفهم سوى بقايا مدن تتخرب كل ساعة أمام عالم مندهش ومذعور من صلف القوة. 
فلسطين اليوم، معتقلة ومخطوفة، بلا حكم أو لائحة اتهام، تهمتها الوحيدة أنها موجودة وتحمل اسمها الكنعاني، وتهمة أهلها أنهم موجودون وأحياء، ومشبوهون بعوامل الوراثة ونزف الأغاني وقتل الموت، لكن الفلسطينيين من أهل السجين متأكدون تماماً أن الواقع بعد الإضراب سيختلف عمّا سبقه، فالمعركة تتسع ولن توفر أحداً.. وسيلمس العالم معالم الانتفاضة الثالثة بتوصيفها الجديد ونكهتها السرية، في مواجهة الفكر المغلق على أسراره.