شبكة نوى، فلسطينيات
gaza2023
اليوم الاحد 19 مايو 2024م10:57 بتوقيت القدس

"ريتاج"..

"الناجية الوحيدة".. وهل ينجو من بقيَ "وحده"؟!

13 مايو 2024 - 01:55

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

قالها عجوزٌ من أبناء "نكبتنا الأولى" أمام المودّعين في مستشفى شهداء الأقصى. قالها، تنهّد، ثم مضى: "عايشين في قاع الموت احنا". تصف سيدةٌ كانت تبكي حفيدها الصغير العبارة بأنها "أصدق ما قيل في وصف حال سكّان قطاع غزة".

من نفس البقعة مرّت "ريتاج". طفلةٌ بُترت ساقها ولم تتجاوز الثامنة، لكنها اليوم "ناجية"، "وحيدة"، من بين أسرةٍ قضى جميع أفرادها شهداء بقصفٍ إسرائيليٍ باغتَ أمنَهم والضّحكات.

كيف لطفلةٍ لم تتجاوز ثماني سنوات أن تروي قصّة "موت"؟ كيف تسند قلبها وتخبرُ بتفاصيلٍ تنتهي بأنها "صارت الناجية الوحيدة"، وأي نجاةٍ هذه، بلا أب، ولا أم، ولا أخوة، ولا أخوات، ولا ساق حتى؟!

تقول بعفويةٍ لم تستطع معها ترتيب الكلام ولا الأحداث: "عندما أجبرنا الاحتلال على النزوح من قريتنا جحر الديك لأول مرة، توجّهنا إلى إحدى مدارس غوث وتشغيل اللاجئين (اونروا)".

وتضيف: "لم نكن وحدنا، تقريبًا كل جيراننا وجدناهم هناك. كان القصف شديدًا والبيوت كانت تسقط على رؤوس أصحابها"، متابعةً بعد تنهيدة: "عمري ما تخيلت أروح المدرسة علشان أنام فيها (..) في المدرسة، كنا نتعلم، وكمان في الإجازة الصيفية كنا نروح عالمخيمات الترفيهية لأنه فش أماكن بغزة نروحلها بسبب الحصار".

لم تستوعب ريتاج أبدًا فكرة أن تقتحم الدبابة مدرسةً إلا عندما رأت ذلك بعينيها. قالت: "الجيش اقتحم المدرسة. وقصف حواليها عشوائي. في هذا اليوم بابا تصاوب (جُرح)، فهربنا كلنا ع بيت سيدي، كنا مفكرينه آمن أكثر".

بيتُ جدّها قُصف! هكذا لم تنته الحكاية، هنا تبدأ عُقدة الحكايات، عُقدة الألم الذي لهُ ما بعده من حُرقةٍ وقهرٍ وفقدٍ وشوقٍ واحتياج. استُشهد والدها المُصاب، ووالدتها، وأشقاؤها وشقيقاتها، وعمّها محمود، وبقيت هي "أنا فقط نجوت" تقول وتبكي.

تذكر "ريتاج" تلك اللحظة التي انتُشلت فيها من تحت الركام، "كان اللون الرمادي يغطي جسدي كله، ولم يكن ظاهرًا منه سوى بطن قدمي. هي التي دلّت علي طواقم الإسعاف والدفاع المدني، الذين تمكّنوا من انتشالي بصعوبة، ونقلوني إلى المستشفى في اليوم التالي للقصف" تضيف.

خرجت ريتاج مصابة، بقدميها الاثنتين، تصارع ألمًا "لا تتحمله الجبال" على حد تعبيرها، واحدة تماثلت للشفاء والأخرى "أكلها الدود" كما عبّرت.

تخبرنا: "أقسى إشي شفته، لما الدود صار يطلع من الجرح. هرّ (تساقط) الدود من رجلي، فقررو الأطباء إنه لازم تنبتر، قطعوها، دوّدت كمان مرة، قطعوا منها كمان مرة، ودوّدت كمان مرة، قطعوها ثالث مرة".

طفلةٌ في عمر الورد، لا تستوعب إلى هذه اللحظة، كيف اختارها "الوجع" لينخزها في كل ما تحبّه! حرفيًا "كل شيءٍ تحبه".

ثلاث عملياتٍ جراحيةٍ أُجريت لـ"ريتاج" قبل أن تخسر ساقها حتى الركبة. طفلةٌ في عمر الورد، لا تستوعب إلى هذه اللحظة، كيف اختارها "الوجع" لينخزها في كل ما تحبّه! حرفيًا "كل شيءٍ تحبه".

في لحظةٍ خلال الحديث لم تتمكّن الطفلة من أخذ نفَس، فاستأذنت الصحافيين والصحافيات الذين جاؤوا لينقلوا مأساتها إلى العالم أن "تسكت"، لأن كل ما ستقوله -على حد تعبيرها- لن يجدي نفعًا أمام عالمٍ لم يوقظه صوت القصف فوق رؤوس المدنيين منذ ثمانية أشهر، "فهل سيصحو على صوت مأساتي؟" تتساءل.

ومن الجدير بالذكر، أنه ومنذ بدء "إسرائيل" حربها المدمرة على قطاع غزة، سجّلت الجهات الرسمية نحو 113 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، غالبيتهم من الأطفال والنساء، بالإضافة إلى 10 آلاف مفقود وسط دمارٍ هائلٍ ومجاعة، أودت بحياة أطفالٍ ومسنين.

صــــــــــورة