شبكة نوى، فلسطينيات
gaza2023
اليوم السبت 20 ابريل 2024م21:58 بتوقيت القدس

"الممر الآمن".. الطريق إلى "الموت الأحمر"!

24 مارس 2024 - 18:45

شبكة نوى، فلسطينيات: شيماء عيد / غزة

بيدٍ مرتجفة وكلماتٍ متعثرة وجسدٍ نحيل، وصوتٍ لا يكاد يُسمع من شدة الألم، بدأ (ص.ث) (38 عامًا) الحديث عن ظروف اعتقاله الوحشية، لحظة عبوره من حاجزٍ أطلقت عليه دولة الاحتلال اسم "الممر الآمن"، حتى وصوله إلى سجن النقب الصحراوي!

يقول لـ "نوى": "بعد ليالٍ من القصف الدامي الذي طال محيط منزلنا بمدينة غزة، خرجتُ أنا ووالدتي وزوجتي التي كانت في حالة حرجة بعد أن أسقطت جنينها من الخوف والذعر، خرجنا مشيًا نحو دوار الكويت ومنه إلى "الممر الآمن" حيث هناك واجهنا ما يفوق القصف وحشية".

ويضيف: "اتكأت والدتي على كتفي طوال الطريق، وكلنا نرفع الهوية الشخصية لأعلى، وبدون سابق إنذار، خرج ضابط إسرائيلي من خلف السواتر الرملية مناديًا بالعربية الواضحة "يا أبو الهوية يلّي بتهوّي على إمك تعال.. تعال".

يصف المشهد بقوله: "التفتُّ حولي لأتأكد أنني المقصود، فإذا بالضابط يشير لي بيده كي أصل إليه من خلف الجبل الرملي، ولما وصلت، طلب مني خلع ملابسي بشكل كامل، ثم قيدوني وأجلسوني على حجارةٍ من الصدف لمدة ثلاثة أيام متواصلة".

أيامٌ مرّت عاشها الرجل تحت الضرب بالبنادق والشتائم، قبل أن يوضع ومجموعة أخرى من الشبان تحت مدفعية دبابة كدروعٍ بشرية، "وقد استمرت الدبابة بضرب القذائف من فوقنا بينما نحن بعد كل واحدة ننطق بالشهادتين" يضيف.

يمر الحدث أمام عينيه وكأنه صار للتو، ويكمل: "لم أستطع توديع أمي أو زوجتي، فقد كان مصير كل من يقف أو يلتفت الموت. كنا نسير جموعًا وحولنا جثث ملقاة على جانبي الطريق، وكأن الاحتلال يحاول أن يخبرنا بأن هذا هو مصير من يخالف تعليماتنا".

ويستمر بالحديث والغصة ترافق كلماته: "قيدونا ووضعونا في كفّة الجرّافة، ثم وضعوا فوقنا شادرًا كبيرًا. بعدما سارت الجرافة مسافةً قصيرة، قلبونا بشكل مفاجئ في حفرة رملية كبيرة".

بقي الشبان في الحفرة لفترة، تدور في عقولهم مخاوف الإعدام الجماعي هنا، لكن الجنود، عادوا لتجميعهم مرةً أخرى في جيب عسكري كبير، تمهيدًا لنقلهم إلى مراكز التحقيق حسبما فهموا من كلام الجنود هناك.

يردف: "لم نكن نعرف الوجهة التي كانوا يقتادوننا إليها، حتى سمعت أحد الجنود لحظة وصولنا، يقول زيكيم، زيكيم، وأشار لسائق الجيب بالوقوف. لم نكن نعلم وقتها أن هناك جحيمٌ أحمر ينتظرنا هناك".

تغيّرت ملامحه عندما بدأ الحديث عن تلك المرحلة! ارتعشت يداه ومسح وجهه بتوتر، ثم قال: "في اللحظة الأولى هناك، استقبلنا عدد كبير من الجنود بالضرب المبرح الذي طال كافة أنحاء الجسد باستخدام الهراوات الحديدية والعصي الكهربائية، ثم أجلسونا على الرُّكب لفترة طويلة استمرت خمسة أيام متواصلة لم نأكل خلالها سوى كسرة خبزٍ صغيرة لا تسمن ولا تغني من جوع".

ووفقًا له فإن الاحتلال يرصد وجوه العابرين من "الممر الآمن" بنظام تكنولوجي حديث ومتطور عند عبورهم ورفعهم للهوية الشخصية.

ويُكمل: "مرت الأيام الخمسة ثقيلة. بعدها اقتادونا مكبّلي الأيدي والأرجل ومعصوبي الأعين نحو بركس كبير، لم يُسمح لنا خلاله بدخول الحمام إلا مرّة واحدة خلال اليوم، كما حرمونا النوم بوضعهم موسيقى صاخبة جدًا عبر مكبرات الصوت".

يخفض صوته لبرهة ويأخذ شهيقًا طويلًا: "طوال الطريق إلى غرفة التحقيق كان الجنود يركلوننا بأرجلهم، ناهيكم عن السحب والشبح من اليدين المكبلتين بالقيود، هكذا حتى تخور القوى، فيأتي ضابط التحقيق ليسألك بشكلٍ مفاجئ: "بدك تحكي؟".

عن جولة التحقيق يروي (ص.ث) أنها بدأت بالسؤال عن الانتماء الحزبي، محاولًا الإيحاء بأنه يعرف عن الانتماءات الحزبية للأسرى الفلسطينيين كلهم. يقول: "سرد عليّ أقوالًا لا تمّت لي بصلة، وعندما نفيتها عن نفسي أمر بإعادتي إلى غرفة التعذيب، حيث دخل مجندان خلفي، وبدأوا بممارسة تعذيبٍ بشع، أقله الضرب على أماكن الأعصاب المختلفة، وفي الأماكن الحساسة".

مكث الأسير الذي تحرر قبل فترةٍ وجيزةٍ في الاعتقال مدة 15 يومًا، لم يستطع خلالها النوم، وكان كلما غفا يطرق الجندي بالشاكوش خلفه على لوح معدني بشكلٍ متتالٍ، مع المناداة بأصوات متتالية "قوم، قوم، قوم".

يتابع: "في لحظةٍ ما خارت قواي، ولم أستطع تحمّل النعاس حتى سقطتُ على الأرض مغشيًا عليّ، ليأتي الجندي ويسندني من الخلف، ثم يبدأ بركلي بكلا قدميه ليمنعي من الراحة أو أخذ غفوةٍ قصيرة".

ويواصل: "بعد أسبوعين، أعادوني مجددًا إلى ضابط التحقيق ليهمس في أذني: "كيف الزيارة؟ هل كانت طويلة؟ لو اعترفتَ من البداية لجنبت نفسك كل هذا العذاب"، ثم أعاد مجددًا اتهاماته لي بنفس أسلوب التحقيق السابق".

بعد الانتهاء من التحقيق الذي استمر فترةً طويلة، لم يجد (ص.ث) المزيد من القول ليضيفه. هنا كتبَ ضابطُ التحقيق على ظهره من الخلف كلماتٍ لم يفهمها، ثم أعاده الجنود إلى البركس الذي كان فيه مجموعة من معتقلي غزة، "وهناك جلسنا هناك مقيّدي الأيدي، نجثو على ركابنا من الصباح حتى المساء دون تحركٍ أو التفات، ولم يسمحوا لنا سوى بعشر دقائق لتناول وجبات الطعام".

ويكمل: "نقلوني أنا وما يقارب 50 أسيرًا من قطاع غزة إلى سجن النقب، ولحظة وصولنا كان في انتظارنا عدد كبير من الجنود الذين أبرحونا ضربًا، إلى حين نقلنا إلى الزنازين الباردة دون أغطية وبملابس خفيفة، مشيرًا إلى أنهم ركّزوا الضرب على الأيدي المكبّلة أصلًا بالقيود الحديدية.

وبعد ما يقارب الشهرين من التعذيب والتجويع في مراكز التحقيق وسجن النقب، أفرجَ الاحتلالُ عن الأسير (ص.ث) عبر معبر كرم أبو سالم هو ومجموعة من أسرى قطاع غزة، الذين توجّهوا إلى مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار في رفح جنوبي القطاع، طلبًا للفحص والعلاج بعد أيّامٍ قاسيةٍ عاشوها في الأسْر.

وختمَ (ص.ث) حديثه مؤكدًا تعرُّضه ومن معه في الأسر لتعذيبٍ جسديٍ ونفسيٍ قاسٍ من الجنود، الذين تم اعتقالهم واحتجازهم لفترةٍ طويلةٍ بشكلٍ تعسفي دون توجيه أيٍّ من التهم أو القضايا ضدهم.

ووفق تقريرٍ أصدره المرصد الأورو متوسطي لحقوق الإنسان، فإنه "تلقّى شهادات صادمة من الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين الذين أُطلق سراحُهم مؤخرًا، والذين أكدوا أن جيش الاحتلال استدعى مدنيين إسرائيليين يتراوح عددهم بين 10 و20 في المجموعة الواحدة، لمشاهدة عمليّات التعذيب والمعاملة القاسية التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيين.

وبحسب المرصد، فإن الأسرى يتم تعريتهم وتعريضهم للتعذيب بشكلٍ علني وبمشاركة مدنيين إسرائيليين، حيث يتم توجيه الضربات والشتائم لهم باللغة العربية.

وفي بيانٍ لنادي الأسير الفلسطيني، فقد أكد أن المعطيات المتوفرة حول معتقلي غزة ضئيلة، مشيرًا إلى أن الشهادات التي حصل عليها من أسرى مفرج عنهم، تفيد بعمليات تعذيبٍ مروّعة يُنفّذها الاحتلال بحق معتقلي غزة داخل السجون.

ويشار إلى أنه بتاريخ 14 تشرين الثاني/ نوفمبر المنصرم، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي فتح ما أسماها بـ"الممرات الآمنة"، التي تسمح للفلسطينيين بالنزوح من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، وقد اعتقل من خلالها عدد كبير من الفلسطينيين، وبعضهم لم يُعرف عنه شيئًا حتى هذه اللحظة.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير