شبكة نوى، فلسطينيات
gaza2023
اليوم الاربعاء 17 ابريل 2024م18:12 بتوقيت القدس

الصحفية هنا عليوة تكتب عن حالها خلال الحرب

إلى كُلِّ الأصدقاء اللذين يُرسلونَ لي "كيفَ أنتِ الآن؟" أو "مشاااان الله ردي علي!"
21 اكتوبر 2023 - 13:21

شبكة نوى، فلسطينيات: إلى كُلِّ الأصدقاء اللذين يُرسلونَ لي "كيفَ أنتِ الآن؟" أو "مشاااان الله ردي علي!"

(صدقوني أنا بخيرٍ ليسَ كثير)

أصبحتُ شخصاً يتكبّد عناءَ الهروبِ مِن قلقِ بدايةِ كُل يوم ونهايته، أتنفس فقط لاغير، في قلبي يوجد الكثير من وجع القلب، رغم تناولي لدواءِ القلبِ بانتظام، ولم يعد لهذا الدواء فائدة مع موجات الاختناق، والغصة، واضطرابات الجهاز العصبي، شعورٌ مُتناقض، حُزنٌ عميق استوطَنَ قلبي، وتفكيرٌ مُبعثرٌ جداً، صداعٌ شديد يُمزق خلايا رأسي، والكثير من الخذلان أيضاً، لكن كلُّ هذة الاشياء لم تقتلني حتى الآن.. لا أستطيع الرد عليكم بسبب سوء شبكات الإرسال والاستقبال في عقلي

(صدقوني أنا بخيرٍ ليسَ كثير)

إنَهُ مُنتصف الليل، والوضعُ يزدادُ سوءاً ليلةً بعد ليلة، والحربُ مُستمِرّةٌ بِداخِلي كما الخارج، كَنارٍ لا تُريدُ أنْ تنطِفئ، وأنا أتارجحُ بينَ ألفِ معركة تقتُلني في عقلي، وألفُ كَسرٍ يُعذبني في قلبي، أستمع بصمت للهجمات بالقرب من منزلي الوحيد هناك في منتصفِ البلدة، وأنا هُنا في أقصى الجنوبِ نازحةٌ أُكابر وأُردد لا بأس أنا بِخير، وأنا لستُ بِخير، لستُ أدري كم روحاً لديَّ كي أتحمل هذا المُنتصف اللعين من الليل، الذي لا يُريد أنْ يترُكني و شأني، لا أستطِع النومَ في الليلِ مِن شِدةِ لذعِ ووخزِ حرارةِ أفكارِ هذهِ الليالِ اللعينة، أفكارٌ تمزِّقُ خلايا مخيخي إلىَ أشلاءٍ مُبعثرة، ولا أستطع جمعها، أنا مُتعبة وأكثر وأصارعُ نفسي في كُل ليلةٍ..

في منتصف الليل هذه صورةٌ وحيدة وصلتني من أصدقاء كثر "لمنزلي" يقفُ وحيداً بين شظايا اللهب، يقف صامتاً حزينا يبكي موشحاً بالركام الأسود وحزامٍ ناري لعين.. سأعودُ إليه وأوشحهُ بكُلَّ الحب، كلُّ أصدقائي يعرفون منزلي، و شارع منزلي و لون منزلي و نافذتي المطلة على هذا الشارعِ المزعج

(صدقوني أنا بخيرٍ ليسَ كثير)

المخيبُ للأمال أنني هادئة و داخلي ضجيجُ معركةٍ محشوٌ بأحاديثٍ كثيرة، والمخيبُ أكثر أن أبقى صامتة، وإن تحدثت لا أجد حديث بحجم وجعي، وإذا بكيتُ أخشى أن يروني منكسرة وأنا ضماضة قلوبهم المنكسرة، فأكابر وأبقى مشتتة، حتى أصبحتُ أتلاشى (روحيّاً تدريجياً) الأمرُ أشبه بأن ينتهي شغفكَ فجأة، أن يتساوى بنظرك كل شيء "كل شيء" دون استثناء، فلن يصبحَ باستطاعتك سِوى مراقبةِ ما يحدث دونَ ردةِ فعلٍ تُذكر، فأنت بكتفٍ مخلوع يستند عليه الجميع!

(صدقوني أنا بخيرٍ ليسَ كثير)

سَأُخبِرُ الله عَن أشياء كَثيرة لا يعلمها غَيره، سَأُخبِره عَن وَجع قَلبي وقِلَّة حِيلتى وعَن أحلامي التي تتبَخَّر يوماً بعدَ يوم، عن ذُعرِ أبنائي، عن مستقبلي الضائع، عَن الأشياءِ التي ظَننتها سَتبقى للأبَد ورَحلت، عَن لَحظاتِ اليُتمِ والشُعورِ بقَسوةِ العالَم، عَن لَحظات الضَعف والأرَق، عَن غُصَّة الحَلقِ الَّتى أشعُر بِها، سَأُخبِره أنني حاولتُ أنْ أحتضِنَ نَفسي وأجمعَ شَتاتَ رَوحى ولَمْ أستطِع، سأخبرهُ أن انكساري غيرٌ قابلٍ للإحتواء أبداً، حتى لو وقف كلّ هذا العالم ليحتضنني

‏لن يكون هذا كافياً!

سَأُخبِره أننى أستيقظ كُلّ يومٍ على ظَنٍ مِنّى أنَّ ما فاتَ كانَ مُجَرَّد حُلم، سَأُخبِره أننى لم أُحِبّ نَفسى بالقَدر الكافى ولم أكرهها إلى ذلك الحَدّ الَّذى يجعلنى أنْ أتخَلَّص مِنها يا الله

(صدقوني أنا بخيرٍ ليسَ كثير)

(صدقوني أنا لستُ بخير)

اللهُمَّ إنَّك أنت الرَحيم فإرحم ضَعفى وقِلَّةَ حِيلتى يا الله

للهِ ما غصّت فيهِ القلوب، للهِ نَحنُ وإليهِ راجعون

#غزاوية_نازحة

النازحة إلى جنوب قطاع غزة هنا عليوة

اكتوبر ٢٠٢٣

كاريكاتـــــير