شبكة نوى، فلسطينيات
gaza2023
اليوم الخميس 29 فبراير 2024م13:49 بتوقيت القدس

لبناني وجنسيته "قلوب كل العرب"

"جَبلٌ" يُغنّي لا يموت.. "وداعًا" حسين المنذر

18 سبتمبر 2023 - 12:36

غزة:

"ذات يوم كنتُ أصعد درج الدائرة ( يقصد إحدى دوائر منظمة التحرير الفلسطينية)، فسمعتُ جبلًا يغني. هذا هو الصوت الذي كان ينقصنا". هذه العبارة هي أدقُّ ما قيلَ يومًا في وصف مطرب الثورة الفلسطينية "حسين المنذر".

قالها الشاعر الفلسطيني الراحل أحمد دحبور، واصفًا رفيق دربه، الذي لحق به بالأمس.. نعم، توفي دحبور، تاركًا وراءه تاريخًا ستخلّده الأجيال ولو تحررّت كل فلسطين. تاريخ ثورةٍ، وانتفاضةٍ، ومقاومةٍ وتحدٍ وصمود! لقد ودّع بالأمس بدايات عمره، وخواتيمه، في فرقةٍ صدحت بصوت الوطن واللجوء، والأسرى، والقدس، والأقصى، وكامل فلسطين الجريحة، وكتب نهاية طريقه في فرقة "العاشقين".

يقول الكاتب خالد جمعة في مقالٍ نشره اليوم: "لا يوجد وصفٌ وأدق وأعمق من هذا (جبلٌ يُغني)، فحسين المنذر لم يكن مجرد مطربٍ يؤدي الكلمات والألحان، بل كان جيشًا بعتاده يرقد في حنجرته، فيغني بجسده وروحه معًا، فتشعر بفلسطين أمامك، بطيورها قبل مقاتليها، بأمهاتها قبل أوديتها، بزيتونها قبل حكاياتها".

القشعريرة التي تسري في الجسد حين تسمع "أبو علي"، وهو يصدح بصوته الجبلي، "اشهد يا عالم علينا وع بيروت"، و"من سجن عكا طلعت جنازة"، وغيرها 300 أغنية من أناشيد الثورة الفلسطينية، تحيّرك في تحديد جنسيته! فلسطيني الصوت والإنشاد، يعيش في مخيم اليرموك، يحكي اللهجة السورية، مولود في لبنان، يكفينا القول "إنه عربي"، كل قلوب العرب جنسيته، وكل البلاد العربية موطنه.

وُلد المناضل حسين المنذر في بعبلك شرقي لبنان، فهو لبناني الأصل، انضم إلى فرقة أغاني العاشقين الفلسطينية لدى تأسيسها عام 1978م في دمشق، بإشراف دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية، وحيث كان يعيش، وحمل القضية الفلسطينية همًا حتى آخر حياته.

كتب عنه الصحفي واصل حمدية :"ذو الحضور الطاغي والصوت القوي، يقف على المسرح شامخًا متجذرًا كجشرة زيتون، يصفق بيديه فتشتعل الصالة تصفيقًا، يعلو صوته وتعلو معه أيدي الحاضرين رافعة أعلام فلسطين. يظنه البعض سوريًا تبعًا للكنته الشامية، إلا أنه ينحدر من القرى اللبنانية الفلسطينية السبع التي حصل لاجئوها على الجنسية اللبنانية. يعيش في دمشق التي شهدت انطلاقة فرقة أغاني العاشقين، وتحديدًا مخيم اليرموك وبقي مقيمًا فيه حتى اضطرته الحرب السورية للنزوح".

في تصريحاتٍ سابقة لأبي علي في صحيفة الأخبار، قال: "أنا عربي وأعشق فلسطين. أعشقها عشقًا لا يوصف. دمي واسمي وعنواني عربي فلسطيني، وأحمل بداخلي كل المكوّنات العربية".

وحسين المنذر اسم كبير في عالم الفنون الوطنية الفلسطينية والقومية، وصاحب صوت صدح كفاحًا ونضالًا في وجه المحتل. اشتهر بالأغاني الفلسطينية الوطنية والتراثية، حيث وضع بصمته على 300 أغنية كما تروي وكالة الأنباء الرسمية "وفا".

ويحكي أبو علي في مقابلة تلفزيونية أجريت معه قبل 13 عامًا، عن فرقة العاشقين، التي كان مطربها الأبرز. قال إنها تشكّلت بعد استقرار الثورة الفلسطينية، وحين بدأت تنظم نفسها، وبدأت بأربعة شبان وشابة. "وحينها سافرتُ إلى هلسنكي ونفذت 11 حفلة وطنية، ثم واصلت النضال الفني لإيصال الصوت الفلسطيني" يضيف.

"كنا عند تسجيل الأغنيات نبكي"، هكذا لخص أبو علي نفسه الحالة. "أغانٍ تخرج من القلب وتصلُ إلى القلب"، فالأغنية الوطنية مدروسة بعناية لأنها يجب أن تبقى وتعيش للتاريخ والأجيال، فهي تحكي قضية وطن، ولهذا ينبغي أن تكون بهذا الزخم من الكلمات والألحان والأداء.

في ثمانينات القرن الماضي، وحين كانت الفرقة تؤدي أغنية "من سجن عكا طلعت جنازة" على مسرح سينما الأندلس في الكويت، انهار الحضور بالبُكاء. ويتابع: "كنتُ على المسرح وسمعت بكاء الحضور، حشرات الأنفاس كان صوتها مسموعًا بوضوح، وحتى في التسجيلات". امتزج يومها صوت بكاء الفرقة والحضور، في حالةٍ إنسانية كان تثيرها الفرقة في كل مسرح تصعد إليه.

ويروي المنذر، أن الرحابنة حين سمعوا صوته الجبلي طلبوا منه الانضمام إلى فرقة "فيروز"، لكنه رفض وأصرّ على أن القضية الفلسطينية أولوية بالنسبة له.

وحسب منذر، فإن الفرقة الملتزمة تمتلك ثلاثة عناصر: "الكلمة الصادقة، واللحن الرائع، والصوت الجميل"، وهذا ما توفر في فرقة أغاني العاشقين، من خلال كلمات كتبها الشعراء أحمد دحبور، وتوفيق زياد، ونوح إبراهيم، ولحّنها حسين نازك.

كان منذر وكافة أعضاء الفرقة يؤمنون بأن التحرير قادم "وسنحيي حفلاتنا على أرض فلسطين، ونغني للنصر"، وكان ينادي بضرورة تسليط الضوء من خلال الإعلام على الأغاني الوطنية الملتزمة كي تبقى حاضرةً، في نفوس المشاهدين.

في عام 2010م، عادت فرقة العاشقين إلى فلسطين ومعها "المنذر" الذي كان يَعُدُّ زيارة فلسطين حلمًا تحقق، ورغم الغصة التي خلّفتها إجراءات الاحتلال، والحواجز العسكرية، وجدار الفصل العنصري، عبّر عن سعادته بالمشاركة في إحياء الذكرى السنوية السادسة لرحيل "الختيار"، مستذكرًا حضوره لحفل الفرقة في العاصمة الأردنية عمّان في العام 1995، وصعوده إلى المسرح، والعناق الحار من "الأب القائد".

وتسرد صحيفة الأيام المحلية أن الفرقة عادت بخليط من المؤسسين، وشباب من الجنسين، ومن عدة جنسيات، ولكن بذات النكهة التي تفوح منها رائحة الثورة.

على مسرح قصر رام الله الثقافي ردد الصغار والكبار في القاعة التي غصت بالحضور، أغاني الفرقة التي انطلقت في السبعينيات، واضطرت إدارة قصر رام الله لتثبيت شاشات عرض خارجية لمن لم يحالفهم الحظ بالدخول.

توفي حسين المنذر وما زالت قضية فلسطين أبرز ما يشغل باله، وآخر ما ظل يغنيه في سبيل الوطن والقضية.

كاريكاتـــــير