شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 03 يونيو 2023م04:04 بتوقيت القدس

صيد الأسماك بـ"الرمح" هواية من "تحت الماء"

20 مارس 2023 - 10:10

غزة :

يراقب الشاب رامي مقداد (38 عامًا) الذي يسكن مخيم الشاطئ للاجئين غربي مدينة غزة، أمواج البحر التي تصل الشاطئ تباعًا، يرمي بصره بعيدًا بين هذه الأمواج محاولًا البحث عن المناطق الهادئة التي تتواجد أسفلها الصخور، وكله أمل أن يجد بين جنباتها الأسماك التي يطمح باصطيادها بواسطة مسدس الرمح أو ما يعرف باسم "الهاربون".

يحدد مقداد المكان الذي سيمارس الغطس فيه، ثم يرتدي زي السباحة المخصصة والزعانف، ويبدأ بالسباحة حتى يصل إلى هدفه، فيباشر بالغطس بين الصخور بحثًا عن الأسماك، معتمدًا على خبرته في كتم أنفاسه لأطول فترة ممكنة تصل إلى دقيقة ونصف من الغطس.

عندما يحصل مقداد على فرصته المناسبة مع الأسماك الكامنة بين الصخور، يطلق عليها عبر مسدس "الهاربون" الرمح، وهو سيخ حديدي له رأس ثلاثي، وعندما تعلق السمكة بالرمح، يقبض عليها ويحررها من الرمح، ويضعها في سلة مثبتة حول حوضه، وبين كل فرصة صيد وأخرى يطفو الصياد إلى سطح الماء لأخذ نفس عميق جديد قبل أن يباشر الصيد مرة أخرى.

يقول مقداد لموقع "نوى": "طريقة كتم الأنفاس تحتاج إلى تدريب عالٍ واحترافي قبل ممارسه الغطس، وبشكل عام يعدُّ ممارسة الصيد باستخدام مسدس الرمح هواية أكثر من كونه مهنة إذ تعود بالقليل من الأسماك"، فيما يستخدم غطاسون آخرون أنابيب الأكسجين صغيرة الحجم؛ لقضاء فترةٍ أطول داخل المياه بحثًا عن الأسماك.

وبيّن أن ممارسة الغوص أو الغطس لصيد الأسماك يكون في مواسم معينة، ففي شهر مارس يكون الصيد خفيفًا إذ لا تقترب الأسماك من الشواطئ بشكل كافٍ، ولكن خلال شهري مايو ويونيو، يتواجد السمك بكثرة بين الصخور الشاطئية إذ تهاجر الأسماك في منتصف العام من المناطق الباردة إلى الشواطئ الدافئة.

ولفت إلى أن أشهر أنواع الأسماك التي يتم صيدها بمسدس الرمح هي "البوري، اللوكّوس، الجرع، والصرّوص".

ويمارس هذه الهواية العديد من الشبان الغزيين، سواء بشكل فردي أو جماعي، الأمر الذي يمكّنهم من جني بعض المال بحسب الكميات التي يصطادونها خلال رحلة الصيد، التي قد تستمر لنحو عشر ساعات متواصلة، كحال الشاب أدهم سكر (34 عامًا)، الذي يعتمد على تلك الهواية لتوفير مصدر دخل مالي.

ويقول سكر لنوى، إنه يمارس الغطس تحت الماء منذ كان يبلغ سبعة أعوام، إذ تلقى التدريبات المطلوبة من والده الذي يعمل صيادٌ في بحر غزة منذ عقود بعد أن ورث هذه المهنة أبًا عن جد، ولكن سكر بدأ بتوظيف هذه الهواية في صيد الأسماك عندما بلغ 22 عامًا.

وفي كل مرة يظفر سكر بسمكة كبيرة، يشعر بفخر وإنجاز كبيرين. ويقول بابتسامة: "السمكة التي اصطادها ليست كأي سمكة، هي الأفضل والأغلى من بين كل ما يتواجد في هذا البحر العريض من أسماك. إنه شعوري الخاص فحسب".

وبيّن أنه ونتيجة لحركة سفن الصيد الكبيرة خلال النهار وابتعاد الأسماك عن أماكنها المعتادة قبالة سواحل قطاع غزة، يلجأ بعض الغطاسين للعمل في ساعات المساء المتأخرة حتى شروق الشمس الأمر الذي يحمل مخاطر أخرى على الغطاس.

وأضاف: "الصيد خلال الليل يزيد من احتمالات تعرض الغطاس للإصابات الجسدية بسبب غياب الضوء، أو أن يعلق الغطاس بين الصخور الأمر الذي قد يتسبب بوفاته لا قدر الله".

ولقي العديد من ممارسي هواية الصيد بالغطس في القطاع مصرعهم، كان آخرهم الصياد أحمد شحادة الذي توفي في بحر مدينة غزة في 19 سبتمبر 2022 خلال ممارسته مهنة الصيد بالغوص، كما لقي الشاب عبد الجواد مطر (24 عامًا) من سكان مخيم الشاطئ غرب غزة، في 27 ديسمبر 2021 في بحر محافظة خان يونس جنوب قطاع غزة، إثر ممارسته هواية الغطس وصيد الأسماك، بعدما علق بين الصخور.

اصطياد الأسماك ليس الشيء الوحيد الذي يهتم به الشاب سكر، فهو أيضًا يحرص أن يمارس هذه الهواية بعيدًا عن زوارق الاحتلال الإسرائيلي الذي يستهدف الصيادين الباحثين عن لقمة عيشهم بشكل مستمر.

يقول: "الغطاسون يخشون على أنفسهم من الاستهداف بشكل مستمر، لأنهم وخلال ممارستهم لهوايتهم المحببة يستخدمون أدوات يعتبرها الاحتلال ممنوعة، مثل بدلة الغطس والزعانف وجهاز منظم الضغط، فضلًا عن مسدس الرمح".

وبسبب القيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على إدخال أدوات الغطس إلى قطاع غزة، يلجأ الصيادون والهواة إلى صنع بِذْلات الغطس ومسدس الرمح يدويًا باستخدام مواد خام أقل جودةً من المخصصة في صناعة هذه الأدوات.

وبسبب ذلك لجأ هواة الغطس لإنشاء صفحات ومجموعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي من أجل بيع وشراء ما يملكونه أو يصنعونه أو يستطيعون تمريره إلى القطاع عبر طرق بعيدة عن أعين الاحتلال، من أدوات الصيد وبذل الغطس، مثل صفحة سوق غزة لمعدات الغوص التي تضم نحو 3000 متابع.

وشهد قطاع غزة في أكتوبر الماضي إنشاء أول تجمع لغواصي الصيد الحر والصيد بالمسدس البحري، ويضم 35 غواصاً. ويهدف هذا التجمع لخلق تواصل بين الغواصين ومنح الهواة الجدد محاضرات ودروسًا تعليمية تَشْمل المهارات الخاصة التي تتعلق بإطالة النفس، ومعادلة الضغط، وضبط النفس، وتصفية الذهن وتحسين التركيز أثْناء الغوص.

ولنشر هذه الهواية بين المواطنين أنشأ المصور الصحفي محمد أسعد عام 2013 أول قناة فلسطينية وعربية متخصصة بالغوص تحمل اسم "مغامرات الغوص" التي تضم نحو 22 ألف مشترك، وتنشر فيديوهات يعدها المصور أسعد تتضمن معلومات تفصيلية عن البيئة البحرية الفلسطينية وحظيت بنحو مليون مشاهدة.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير