شبكة نوى، فلسطينيات
gaza2023
اليوم الاحد 19 مايو 2024م10:17 بتوقيت القدس

حُرمن التوظيف بسببه رغم إلغائه عام 2012م..

نساءٌ في الضفة.. ضحايا لشرط "السلامة الأمنية"

19 مارس 2023 - 15:15

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

منذ 17 عامًا، وهيفاء (اسم مستعار) من مدينة نابلس، شمالي الضفة الغربية، تتقدّم لامتحان الوظيفة العمومية من أجل الحصول على وظيفة معلمة بوزارة التربية والتعليم. لم تغِب عن الامتحان سوى مرة واحدة؛ لوجودها داخل غرفة العمليات كي تضع مولودها الرابع.

وبرغم حصولها على المرتبة الثانية في الامتحان التحريري، وتفوُّقها في المقابلة الشفهية، وثناء اللجنة المشرفة على تميّزها، إلاّ أنها لم تنَل الوظيفة التي حرمها منها شرط "السلامة الأمنية".

بعد ستة أعوام من تخرجها من تخصص الشريعة الإسلامية في جامعة النجاح، وتقديم امتحان التوظيف مرارًا، توَجهتْ هيفاء مستنكرةً إلى مديرة التربية والتعليم، متسائلةً: "إلى متى ستظل تتقدم للامتحان وتحصل على الترتيب الثاني بلا فائدة؟ وما هي معايير التوظيف التي من المفترض أن تُقبَل وفقًا لها؟ لتفاجأ بردّها تقول: "أنا الي شايفتيني مديرة، توظفت من 3 سنوات بس، بعد 13 سنة من التقديم. بنصحك تشتغلي على نفسك، وتكملي ماجستير".

بالفعل، أنهت هيفاء دراسة الماجستير، وعملت لفترة قصيرة في عددٍ من المدارس الخاصة، وتزامنًا مع ذلك، لم تتوانَ عن تقديم امتحان التوظيف الحكومي، "على أمل أن تكون هذه المرة آخر مرة"، وأن تحصل على الوظيفة.

بعد سنوات شقّ النور طريقها المظلم، هكذا ظنّت، إذ حصلت على فرصة وظيفة معلمة بديلة مؤقتة، بعد تدخّل أحد الأقارب الذي كان يعرف مسؤولًا في وزارة التربية والتعليم.

تنقّلت في هذه الوظيفة بين عدد من المدارس، وفي فتراتٍ متقطعة لمدة ثلاث سنوات ونصف انتهت دون تثبيتها، ثمّ عادت للعمل في المدارس الخاصة منتظرةً "الفرج" من جديد.

بقيت هيفاء في قلق مستمر، تطرح سؤالًا ولا تجد له إجابة: "لماذا لا أُعَيَّن كمُعلمةٍ ثابتة؟"، فقرَّرَت مُلاحقة قضيّتها، وبدَأت بالتقصّي ما بين مدرسةٍ، ووزارةٍ، ومعارف، حتى اقترحت عليها صديقة إجراء "فحص أمني"، وهو الطلب الذي استغربَتهُ، بل تساءلت عن ماهيته.. ماذا حدث بعد ذلك معها؟ الإجابة تتبع:

"السلامة الأمنية"

"المسح الأمني"، أو "السلامة الأمنية"، أو "شهادة حسن السيرة والسلوك"، كلها مسميات لإجراء شكّل عائقًا أمام الآلاف ومنَعَ توظيفهم، خاصةً بعد الاقتتال والانقسام السياسي الفلسطيني عام 2007م، الذي نتج عنه أيضًا انقسام إداري، بتشكيل حكومةٍ في الضفة الغربية، وأُخرى في قطاع غزّة تقودها حركة حماس.

شكّل شرط "السلامة الأمنية"، عائقًا أمام توظيف الآلاف، خاصةً بعد الاقتتال والانقسام السياسي الفلسطيني عام 2007م.

اشترطت الحكومة في الضفة، على المتقدّم/ـة لتقلّد الوظيفة العمومية، الحصول على موافقة الأجهزة الأمنية، وتحديدًا جهازَي "المخابرات العامّة" و"الأمن الوقائي"، ومن لا يفعل، إن كان متقدّمًا جديدًا لا يُوظَّف، وإن كان موظفًا سابقًا يُفصل من وظيفته.

تطبيق هذا الإجراء، أدّى إلى فصل وزارة التربية والتعليم وحدها ما يقارب 1500 شخص بين موظفٍ ومعلم، بالاستناد إلى قرار جلسة مجلس الوزراء برئاسة سلام فياض، المنعقدة بتاريخ 3/9/2007م، الذي نصّ على أن "إجراء الفحص الأمني جزء من عملية التعيين، وأنّ ديوان الموظفين العام هو المسؤول عن عملية التعيين، وعليه أن يجري اتصالاته مع الأجهزة الأمنية بهذا الخصوص".

اقرأ/ي أيضًا: تعيينات الأقارب وترقياتهم في السلطة الفلسطينية

بعد خمس سنوات على قرار الفصل على خلفية "السلامة الأمنية"، تابع قضية المفصولين حقوقيون و عدد من مؤسسات المجتمع المدني، ومنها الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان)، و"الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان"، التي مثلّت مئات المعلمين المفصولين، بعد أن قرروا الالتماس ضد فصلهم في المحكمة الفلسطينية العليا.

أصدرت المحكمة العليا عام 2012م قرارًا بإلغاء العمل بشرط "السلامة الأمنية" لتقلدّ الوظيفة العامّة.

وبالفعل، أصدرت المحكمة العليا عام 2012م قرارًا بإلغاء العمل بشرط "السلامة الأمنية" لتقلدّ الوظيفة العامّة، مستندةً إلى نقطتين، الأولى هي شهادة وزيرة التربية والتعليم آنذاك، لميس العلمي، بأن الفصل "جاء بناءً على توصية من الأجهزة الأمنية"، وبعد البحث في اختصاصات الأجهزة الأمنية، لم يكن منح "شهادة السلامة الأمنية"، والتوصية في الفصل والتعيين، من اختصاصها.

أما الثانية، فهي المادة رقم (9) من القانون الأساسي، التي تنصُّ على أن "الفلسطينيين أمام القانون والقضاء سواء، لا تمييز بينهم بسبب العرق، أو الجنس، أو اللون، أو الدين، أو الرأي السياسي، أو الإعاقة".

وبناءً على ذلك، وفي العام ذاته، أوقف مجلس الوزراء في رام الله العمل بشرط "السلامة الأمنية" للتعيين في الوظيفة العامة، واستعاض عنه بشهادة "عدم المحكومية" الصادرة عن وزارة العدل.

ورغم إلغاء العمل بشرط "السلامة الأمنية" للحصول على وظيفة حكومية، إلا أن ذلك لم يتعدَّ كونه "حبرًا على ورق". هذا ما اكتشفته هيفاء عندما باشرت وزوجها العام الماضي فعلًا، بإجراءات "الفحص الأمني"، فتوجهت إلى وزارة الداخلية، وقدمت طلبًا للحصول على "شهادة حسن سيرة وسلوك" كما أوصاها أحد المسؤولين في المنطقة، على أن تعود بعد أيامٍ لاستلامها.

خلال هذه الفترة، علمت هيفاء أن "جهاز المخابرات" كان يسأل عنها في منطقة سكنها، وأن أقارب لها أخبروهم بأنها وزوجها "أناس يخافون الله. الزوجة درست الشريعة الإسلامية، بينما زوجها يشتغل بتعليم القرآن الكريم".

انتظرت هيفاء نحو شهرين، حتى التقت بإحدى قريباتها، فأخبرتها: "أنتِ مسجّلة في جهاز المخابرات (حماس) بعد ما سألوا عنك".

وبعد أن عادت لاستلام شهادة حسن السيرة والسلوك، كان الرد مدويًا: "لا يوجد". انتظرت هيفاء نحو شهرين لعلّها تجد ردًّا، حتى جاء يوم التقت فيه بإحدى قريباتها، فأخبرتها: "أنتِ مسجّلة في جهاز المخابرات (حماس) بعد ما سألوا عنك".

تعلّق هيفا: "لا أعرف كيف صنّفوني! هل من الضروري أن كل من يخاف الله، ويتبع الشريعة في أمور دينه، أن يكون منتميًا لحزبٍ بعينه دون آخر؟".

أشواق العامر أيضًا، الخريجة من قسم الصحافة والإعلام في جامعة النجاح، التي عملت فور تخرجها في وزارة الأوقاف برام الله، بعد فوزها في مسابقةٍ للتوظيف، نظمّها مركز الإعلام الحكومي لخريجي كليات الإعلام من جامعات الضفة كافّة سنة 2012م، (أي بعد إلغاء المحكمة العليا شرط السلامة الأمنية)، وكانت من بين 500 متقدم، فاز من بينهم 20، وُزّعوا على وزارات الحكومة آنذاك.

أثنى مدير أشواق على جهودها في العمل، ورفع توصيةً لوزير الأوقاف لتثبيتها، بيدَ أنّها قوبِلَت بالرفض، والسبب: "جذور عائلتها الفكرية والسياسية".

واصلت أشواق عملها لمدة عام ونصف بعقود شهرية وسنوية، وبعد ثناءِ مديرها على جهودها في العمل، رفع توصيةً لوزير الأوقاف لتثبيتها، بيدَ أنّها قوبِلَت بالرفض.

السبب كما أخبرها الوزير محمود الهباش، حين طلب لقاءها، هي "جذور والدك وعائلتك (حماس)، ومن الصعب أن يتم توظيفك". وحينها سألَتْه: "ما دخل والدي؟ أنت تتعامل معي أنا"، فأجاب: "صحيح، بس هذي إجراءات النظام التي نعمل بها حاليًا".

"فساد سياسي"

يعدُّ المستشار القانوني في الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان) بلال البرغوثي، "السلامة الأمنية" رديفة "الواسطة"، "حيث عُرّفَت في قانون مكافحة الفساد رقم (1) لعام 2005م إلى جانب المحسوبية والمحاباة، بأنها اتخاذ الموظف قرارًا على نحوٍ يتعارض مع المصلحة العامة، لاعتبارات غير مهنية، منها الرأي والدين والانتماء السياسي".

البرغوثي: يمكن اعتبار السلامة الأمنية واستخداماتها، شكل من أشكال الواسطة، وأحد الممارسات التي تندرج تحت مفهوم الفساد السياسي.

ويقول خلال مقابلةٍ أجرتها معه معدة التحقيق: "يمكن اعتبار السلامة الأمنية واستخداماتها، شكل من أشكال الواسطة، وأحد الممارسات التي تندرج تحت مفهوم الفساد السياسي، من حيث استغلال سلطة الحكم للحصول على مصالح سياسية، وليس لأغراض تتعلق بالمنفعة العامة".

ويؤكد البرغوثي أنّها "ظاهرة سابقة"، استُخدمت من خلال تفسير ما ورد في نصوص قوانين مختلفة لشهادة حسن السيرة والسلوك، بيدَ أنّها موجودة منذ ما قبل عام 2007م، "لكن بشكلٍ غير ملحوظ وغير معلن" يستدرك.

البرغوثي: الانقسام السياسي عززّها بصورة جليّة، بغاية استبعاد كل من يعارض السياسات، أو يُحسب على اتجاهٍ آخر مخالف للسلطة.

ويضيف: "حالة الانقسام السياسي عززّتها بصورة جليّة، بغاية استبعاد كل من يعارض السياسات، أو يكون محسوبًا على اتجاهٍ آخر مخالف للسلطة الفلسطينية، وكانت قرارات الفصل تتوجه تحديدًا بحق المحسوبين على حركة حماس. وهذا ما حدث تمامًا مع السيدة آيات مفارجة من رام الله".

 أنهت "آيات" الثانوية العامة بتفوّق، وحصَلَت على معدل (97.8%)، ورغم أنّه يُمكّنها من دراسة الطب والهندسة، إلاّ أنَّ شغفها وحبها للرياضيات دفعها لدراسة هذا التخصص في جامعة "بيرزيت" عام 2005م.

بعد التخرج عملت عدة سنوات في مدارس الحكومة كمعلمة بديلة، دون الحصول على التثبيت، رغم حصولها على الدرجات العالية في امتحان التوظيف، وكما قالت: "لم أتوقع يومًا أن يكون سبب عدم التعيين "أمنيًا".

انتقلت آيات بعدَهَا للعمل في مدارس وزارة المعارف التابعة لبلدية الاحتلال في مخيم شعفاط، وعملت فيها لسنة كاملة، لكنّ بُعد المسافة، وسوء الطريق، وإغلاقها من قبل الاحتلال في بعض الأحيان، دفَعَها لترك الوظيفة هناك، فعادت للعمل كبديلة في المدارس الحكومية لعامين متتاليين (2016م، و 2017م)، في الوقت الذي درست فيه الماجستير بتخصص الاقتصاد.

في نيسان/أبريل من العام 2017م، تقدّمت آيات للتوظيف في مركز الإحصاء الفلسطيني، وحصلت على المرتبة الأولى في امتحان التوظيف، وبناء على ذلك وقّعت في أيار/مايو 2017م على عقد عملٍ سنوي، واستمرّ الحال على هذا النحو دون تثبيت حتى عام 2021م، أي لست سنوات متتالية.

وحين قرر ديوان الموظفين الاعتماد المالي لتثبيت 14 موظفًا في مركز الإحصاء، تمّ تثبيت 11 موظفًا من القدماء، تلاهم ثلاثة ثُبتوا عام 2022م، لتبقى هي الوحيدة دون ذلك، رغم أنها حصلت  على كل الوثائق المطلوبة لاستكمال تثبيتها، مثل شهادة عدم المحكومية من وزارة العدل.

علمت آيات أنّ إجراءات التثبيت الخاصة بها وقفت عند ديوان الموظفين، بعد أخذهم بما يسمّى بتوصية "المسح الأمني"، وعدم توفر "السلامة الأمنية" من قبل "الداخلية".

علمت آيات بعد ذلك أنّ إجراءات التثبيت الخاصة بها وقفت عند ديوان الموظفين، بعد أخذهم بما يسمّى بتوصية "المسح الأمني"، وعدم توفر "السلامة الأمنية" من قبل وزارة الداخلية، ورفض جهاز المخابرات الموافقة على توظيفها وإعطائها شهادة حسن السيرة والسلوك، بقولهم "لا نوصي بتثبيتها".

وهنا، تقوم آلية الفحص الأمني -ما يُعرف بـ"أمن المؤسسات"- في وزارة الداخلية، بأخذ اسم الموظف وعنوانه، وإرساله إلى عنصر الأمن المسؤول في منطقته، الذي تُرفع توصيته إلى الأجهزة الأمنية. وهذا ما حدث مع آيات عندما أعلمتها مسؤولة شؤون الموظفين، بأنّ رفضها جاء بناء على توصية أحد أفراد الأمن في بلدتها، وأن عليها الحديث معه كواسطة لحلّ هذا "المنع الأمني".

ورغم تدخل بعض أفراد العائلة، إلاّ أنّ رد الداخلية كان جاء "حرفيًا" كالتالي: "مشكلتها مع جهاز المخابرات والوقائي، وبدها معجزة إلهية عشان تتوظف"، والسبب في ذلك يعود لترشحها في الانتخابات البلدية عن "قائمة مستقلة"، "وعملها في أحد مراكز تحفيظ القرآن، وأنها زوجة وشقيقة أسير سابق"، وفق ما علِمت.

وقدْ أشاروا عليها بوجوب الذهاب إلى مقر المخابرات في رام الله لمقابلة المدير، وكان شرطها حضور زوجها معها، لكن "حين وصلْت، رفضوا إدخال زوجي، وبالتالي رفضت المقابلة، وخسرت الوظيفة".

تجاوزَت حدود الوظيفة العامة

ولم يقتصر اشتراط "السلامة الأمنية" على التعيين في الوظيفة العمومية، بل تمّ استُخدم "المسح الأمني" بطرق غير مباشرة، وخاصة عند استصدار "شهادة حسن السيرة والسلوك" في العديد من قطاعات الحياة، من أبرزها: الحصول على بعض الأذونات والرخص كرخصة السياقة العمومية، إضافةً إلى تشكيل الجمعيات الخيرية التعاونية، والهيئات الأهلية، أو في الحصول على المنح الدراسية.

المحامي الهريني: شرط السلامة الأمنية وصل حدّ التعيين في القضاء، فتمّ رفض تعيين قاضيَيْن من أصل تسعة لأبعادٍ سياسية، رغم استيفائهم الشروط.

وخلال جلسة نقاش عقدها الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان) في 8 حزيران/يونيو 2022م، حول "تفاقم ظاهرة السلامة الأمنية"، بحضور عدد من المؤسسات الحقوقية والإعلامية، وممثلين عن وزارة الداخلية وجهاز الأمن الوقائي ونقابة المحامين، أفاد المحامي محمد الهريني من نقابة المحامين "أنّ إقحام شرط السلامة الأمنية وصل حدّ التعيين في القضاء، فتمّ رفض تعيين قاضيَيْن من أصل تسعة قضاة لأبعادٍ سياسية، رغم اجتيازهم الامتحانات، واستيفائهم كافة الشروط المدرجة في المسابقات القضائية".

وأضاف: "وزارة الأوقاف تمتنع عن تنفيذ قرارات المحاكم بخصوص "حصر الإرث"، وتربطه بشرط الحصول على السلامة الأمنية"، معقبًا بالقول: "باتت ظاهرة مستشرية في المجتمع الفلسطيني".

البرغوثي: رغم إلغاء قرار شرط السلامة الأمنية، إلاّ أنّ عدد الشكاوى التي قُدّمت للمؤسسات الحقوقية خلال العامين الماضيين ارتفع.

وقال مستشار (أمان) بلال البرغوثي خلال الجلسة: "رغم إلغاء قرار شرط السلامة الأمنية، إلاّ أنّ هناك ارتفاع في عدد الشكاوى التي قُدّمت للمؤسسات الحقوقية خلال العامين الماضيين (2021م و2020م)"، مفسرًا ذلك بالقول: "تجري محاولة شرعنته من خلال تضمينه في بعض النصوص التشريعية الصادرة عن السلطة التنفيذية، مثل مسودة نظام ترخيص المؤسسات الإعلامية الأخير لسنة 2022م، إذ وردت فيه عبارة "عدم الممانعة الصادرة عن وزارة الداخلية" أي "السلامة الأمنية" 13 مرة، و تشمل الأحكام المتعلقة بتعيين العاملين في قطاع الإعلام، ومنح الرخص للمؤسسات الإعلامية".

ويُعدُّ ما سبق شكلًا من أشكال الفساد السياسي، لما فيه من استغلال صلاحية إصدار التشريع؛ لتعزيز المصلحة الفئوية على حساب المصلحة العامّة.

"السلامة الأمنية" في "إذاعة محلية"!

كانت مها المطيري من ضمن الإعلاميين المتضررين من القانون السابق، فقد شُغفت بالعمل في الإعلام رغم دراستها الجامعيّة للغة العربية، ولذلك التحقت بالعديد من الدورات الإعلامية لتقوية موهبتها الغضّة، وهو ما مكّنها من الحصول على عدة منح للتدريب والعمل في الإذاعات المحلية، مثل راديو مرح في الخليل منذ عام 2018م، حتى تخرجها في عام 2021م.

وعُرفت مها بـ"الناشطة الشبابية" داخل أسوار الجامعة وعلى مستوى المحافظة، من خلال مشاركتها بالأنشطة الثقافية مع دائرة الشباب والثقافة، بينما لم تنتمِ أو تعمل تحت أي إطار حزبيّ أبدًا.

كان من بين البرامج الإذاعية التي قدمتها مها على مدار أربع سنوات ونصف، وخصّتها بجهدٍ كبير في "راديو مرح"، برنامج يهتم بقضايا الأسرى، فلما تركت الوظيفة من أجل الانتقال للعمل في إذاعةٍ محليةٍ أخرى استوجب عليها "إحضار شهادة حسن سيرة وسلوك من وزارة الداخلية".

بعد شهر، أُبلغت أنها حصلت على موافقة من جهازَي "الأمن الوطني، والشرطة"، في حين رفضها جهازا "المخابرات والأمن الوقائي".

مها لم تمل من تقديم الطلب مرّة ثانية وثالثة، حتى جاءها القبول من "الأمن الوقائي"، وبقي الرفض من جهاز "المخابرات العامة".

ولمعرفة سبب الرفض، أوصتها مديرية الداخلية بمراجعة الجهاز نفسه، وهنا تقول: "وجدتُ نفسي في جلسة تحقيق لمدة 45 دقيقة، دارت حول النشاط الطلابي الثقافي التابع لإدارة الجامعة، وسُئِلتُ لصالح من كنت ناشطة في قضايا الأسرى؟ وهل هناك علاقة بحركة حماس داخل الجامعة أو خارجها؟".

قدّمت مها شكوى في ديوان المظالم عند الهيئة المستقلة، التي بدأت بمتابعة قضيتها إلى جانب عدد من الشكاوى المشابهة لأشخاصٍ حُرِموا من التوظيف على خلفية "السلامة الأمنية".

تواصلت الهيئة المستقلة مع الجهات الأمنية في وزارة الداخلية، كما أكدّ محامي الهيئة فريد الأطرش، ورغم ذلك لم تُعطَ شهادة "حسن سيرة وسلوك"، "وهذا انتهاكٌ لحقوق الإنسان، وإجراء مخالف للقانون الأساسي، خاصة أنّه لأسباب سياسية" يقول.

ويؤكد الأطرش، استمرار وصول الشكاوى إلى وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية، بسبب عدم تمكين المواطنين من الحصول على "حسن السيرة والسلوك" (السلامة الأمنية)، "رغم أن هذه الشهادة غير قانونية، والأصل عدم الحصول عليها" يضيف.

ويكمل: "للأسف، حتى بعض المؤسسات والشركات الخاصة تطلبها من العاملين، أو من المتقدمين للعمل لديها، وهذا بالضرورة يذهب إلى الأجهزة الأمنية، التي بدورها تقررها وفق اعتبارات سياسية، أو على خلفية ممارسة الشخص حرية الرأي والتعبير".

السلامة الأمنية في قاموس "الداخلية"

حاولت معدة التحقيق الحصول على تعليقٍ من وزارة الداخلية، إلا أنها لم تتمكن من ذلك، لكن المستشار القانوني في الوزارة المحامي إياد متخ، وخلال جلسة النقاش التي نظمّها ائتلاف (أمان) حول "السلامة الأمنية"، نفى أنّ وزارته تضع أية عراقيل أو شروط خارج القانون.

وقال: "الوزارة لا تتحمل مسؤولية رفض أو قبول إعطاء "حسن السيرة والسلوك"، مشيرًا إلى حالات تُطلبُ فيها هذه الشهادة من دول خارجية للموافقة على المنح الدراسية، "وكذلك في طلبات الهجرة، ومنح التأشيرات"، دون أن يعطي أيّ تعريفٍ واضحٍ لهذه الشهادة.

"طرق ملتوية"

أمّا المحامي غاندي أمين، وهو واحدٌ ممن ترافعوا عن مئات المفصولين على خلفية عدم توفر شرط "السلامة الأمنية"، فيصف استمرار العمل بشرط السلامة الأمنية "بالجريمة والمأساة"، "لما فيه من اختراق لكلّ القوانين المحلية والدوليّة".

ويقول: "إن قرار إلغاء شرط السلامة الأمنية صدر من قبل محكمة عدل عليا وبموافقة 19 قاضيًا، و هذا الشكل من القرارات يكون بمثابة قانون، فالذي يعمل بالسلامة الأمنية بعد هذا القرار، يعدُّ مخالِفًا للقانون"، وبالتالي، "يصبح القانون هنا أداة حكم، لا أداة محايدة" على حد تعبيره.

ومع متابعة العديد من الشكاوى التي قُدِّمت إلى المحكمة، يتابع أمين: "يصعب أحيانًا إثبات العمل بشرط "السلامة الأمنية"؛ لأنّه يُستخدم بطرق ملتوية بين وزارة الداخلية، والمؤسسة التي تريد توظيف المتقدّم، فيتم عمل "المسح الأمني" من غير معرفة الموظف أو المتقدم لطلب الوظيفة، و"فقط يعرف بأنه تم رفض توظيفه، أو ترقيته، دون معرفة السبب، وهذه أكبر جريمة"، داعيًا إلى وجوب استبدالها بشهادة "عدم المحكومية"، التي تقع ضمن مسؤوليات وزارة العدل.

إمعانًا في مخالفة القانون الأساسي والقيم الديمقراطية، ومواصلةً لنهج الانغلاق وتكميم الأفواه، ورفض فكرة المشاركة السياسية، يستمر العمل بشرط "السلامة الأمنية" للحصول على وظيفةٍ في الضفة الغربية.

هذا الشرط الذي أُلغي علنًا في عام 2012م، ما زال يُخرجُ لسانه من خلف الباب للحقوقيين ورعاة القانون مستندًا إلى نصوص فضفاضةٍ "مستحدَثة"، تشرعنُهُ مواربةً، وتمرُ بعنجهيةٍ على تصنيفه "فسادًا سياسيًا" كونه استغلالٌ للسلطة من أجل تحقيق مصالح سياسية.

هذا الشرط حجر في جبلٍ من الانتهاكات المبنية على معايير السلطة الحاكمة، وأمامه تحترق أحلام الفلسطينيين مجددًا -النساء على وجه التحديد- "بمستقبلٍ موحّد"، في ظل حياةٍ ترتهن في كافة تفاصيلها للمعيار الفكري السياسي، الذي يغلق -عن سبق إصرارٍ وترصّد- أبواب الفرص في وجوه "المخالفين".. حتى يلبّوا.

صــــــــــورة